فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٣٨٢ - الأمر الثاني
و الوجوب و الامتناع المنتزعة من ذات العلّة و الممكن و الواجب و الممتنع بالذات، أو كان انتزاعها من قيام أحد المقولات التسع بمحلّه كالفوقيّة و التحتيّة و القبليّة و البعديّة الزمانيّة و المكانيّة، فانّ الفوقيّة ليست من مقتضيات ذات الفوق، بل لأجل قيام خصوصيّة في الفوق أوجب انتزاع منه، و كذا التحتيّة و القبليّة و البعديّة و نحوها.
و هذا بخلاف الأمور الاعتباريّة، فانّ لها في نفس الأمر نحو تقرّر و ثبات و يكون لها وجود في الخارج [١] غايته أن تقرّرها النّفس الأمري يتحقّق بعين
______________________________
[١] أقول: إنّ الوجودات الاعتباريّة بعد ما كانت قوامها بالاعتبار فينبغي شرح حقيقة الاعتبار، فنقول: إنّه لا يكون إلّا ما يكون قوام وجوده باللحاظ بحيث لو لم يكن في البين لحاظ لا يكون في البين اعتبار أصلا، ثمّ بعد لحاظ شيء مطلقا أو منوطا بوجود شيء ما لم يقصد ثبوته مطلقا أو منوطا بشيء بإنشاء مفهومه المسمّى بجعله لا يكاد يتحقّق وجوده في عالمه، فإذا تحقّق مثل هذا الجعل يعتبر العقل وجوده، و لكن ليس هذا الوجود موطنه إلّا الذهن، لأنّ متعلّق اللحاظ و الجعل ليس إلّا ما يرى في ذهنه، غاية الأمر لا بوصف ذهنيّته، بل في لحاظه يرى خارجيّا، و لكن مجرّد ملاحظته كذلك لا يخرجه عن الذهنيّة إلى الخارجيّة، و حينئذ جميع الأمور الاعتباريّة لا يكون الخارج موطن نفسها، بل إنّما موطن مصحّح اعتباره من الإنشاء اللفظي أو القولي، و لذا نقول: لا واقعيّة للاعتباريّات إلّا بواقع مصحّح اختراعه: من الإنشاء المتقوّم باللحاظ، كيف! و ربما يكون الأمر الاعتباري مثل الملكيّة قائمة بنفس الكلّي بوصف كلّيته الّتي لا موطن له إلّا الذهن، كما أنّه لو فرض في مورد قيامه بأمر خارجيّ يحصل به إحداث خصوصيّة خارجيّة غير متقوّم باللحاظ في هذا الشيء. و عليه فما أفيد: من أنّ الأمور الاعتباريّة بنفسها لها وجود خارجي لا نفهم معناه، كيف! و لا يكون الموجود الخارجي إلّا ما هو موجود في خارج الذهن و اللحاظ بحيث لو لم يكن في العالم لاحظ كان الخارج ظرفا لنفسه، مع أنّه ليس كذلك جزما، كيف! و لو لم يكن لاحظ أين وجود كلّي بوصف كلّيّته معروض ملكيّة شخص؟ و حينئذ فما أفاد من الفرق بين الأمور الاعتباريّة و الانتزاعيّة من هذه الجهة لا معنى له، و إنّما الفرق بينهما من جهة أنّ الاعتباريّات تابع جعل و إنشاء و أنّ الجعل مصحّح اعتبارها، و في الأمور الانتزاعيّة ليس مصحّح الانتزاع جعله، بل هو قهريّ حاصل في موطنه، و ربما يكون الأمر الاعتباري منشأ انتزاع مفهومه، كمفهوم الملكيّة بالنسبة إلى حقيقته، ففي مثله يكون منشأ الانتزاع و المنتزع كلاهما في موطن الذهن، غاية الأمر يفترقان بخصوصيّة المنشأ و المصحّح و التعقّل الأوّلي و الثانوي، كما لا يخفى.