فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٣٧٩ - الأول
للشارع جعل و إنشاء يتعلّق بأفعال العباد يتضمّن البعث و التحريك و الإرادة و الكراهة [١] و أمّا لو قلنا: بأنّه ليس الحكم الشرعي إلّا عبارة عن العلم باشتمال الأفعال على المصالح و المفاسد من دون أن يكون في البين جعل يقتضي الإرادة و الكراهة لا في المبدأ الأعلى و لا في المبادي العالية- كما حكي عن بعض احتماله بل الالتزام به- فلا يبقى موقع لتقسيم الأحكام إلى التكليفيّة و الوضعيّة، كما لا يخفى.
و لكن احتمال أن لا يكون في البين إلّا العلم بالصلاح و الفساد من دون أن يستتبع العلم بذلك الجعل و التشريع في غاية الوهن و السقوط، لأنّه يلزم على هذا
______________________________
[١] أقول: حقيقة الإرادة إذا كانت عبارة عن الشوق الأكيد فهو من الكيفيّات القائمة بالنفس و لم يكن من الإيجاديّات بالاختيار بلا واسطة فلا يكون هذه المرتبة نظير المصلحة و العلم بها من الإنشائيّات أيضا، كما أنّ مدار الحكم العقل بوجوب الامتثال أيضا ليس إلّا العلم بهذه المرتبة من اشتياق المولى و لو لم يحمل نفسه إلى العمل من جهة علمه بعدم امتثاله، و حينئذ لا يبقى في البين إلّا إبراز إرادته لمحض إتمام الحجّة على عبده، و في هذا الإبراز لا يلزم أن ينشأ بكلامه مفهوم الطلب أو الإرادة- كما هو الشأن في كلّيّة الإنشاء الّذي هو مقابل الإخبار من شئون المفاهيم- بل يكفي لتحريك العقل نحو الامتثال إبراز شوقه بإخباره به بقوله: أريد أو أشتاق. نعم: من نفس الإبراز ينتزع العقل بعناية عنوان البعث و التحريك و بعناية أخرى عنوان الإلزام و اللزوم و الإيجاب و الوجوب، فهذه العناوين إيجاديّة بإيجاد الإبراز، و ليس دخلها في حكم العقل دخلا موضوعيّا بل طريقيّا صرفا. و حينئذ إن أريد من جعليّة التكليف جهة الإعلام باشتياقه، فليس ذلك من الاعتبارات الجعليّة، بل من التكوينيّات الخارجيّة كإحداث سائر الكيفيّات الأخرى. و إن أريد به جهة الاعتبارات الأخرى الطارية على الاعلام فهي أجنبيّة عن جعل الجاعل.
و بعبارة أخرى نقول: إنّ الجعل في الأحكام الوضعيّة في الحقيقة راجع إلى إحداث أمر اعتباري في عالم الاعتبار بنفس الجعل، و في الأحكام التكليفيّة راجع إلى تكوين الوصول الخارجي الّذي هو أجنبيّ عن الاعتباريّات، و إنّما هو موضوع اعتباريّات أخرى قهريّة مترتّبة على هذا الاعلام و الإيصال من دون أن يكون قوامها بجعل جاعل، و حينئذ تقسيم الأحكام الجعليّة إلى التكليفيّة و الوضعيّة ليس بمساق واحد، كما لا يخفى.