فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٣٠ - و أما الجهة الثانية
و لكنّ الحكم بالتخيير في مثل هذا الفرض إنّما نشأ من اجتماع دليل العام و إجمال دليل الخاصّ بضميمة وجوب الاقتصار على القدر المتيقّن في التخصيص، فانّ اجتماع هذه الأمور أوجب التخيير في العمل، و ليس التخيير فيه لأجل اقتضاء المجعول ذلك، بل المجعول في كلّ من العامّ و الخاصّ هو الحكم التعييني، و التخيير فيه إنّما نشأ من ناحية الدليل لا المدلول، بالبيان المتقدّم.
و من الثاني: ما إذا تزاحم الواجبان في مقام الامتثال لعدم القدرة على الجمع بينهما، فانّ التخيير في باب التزاحم إنّما هو لأجل أنّ المجعول في باب التكاليف معنى يقتضي التخيير في امتثال أحد المتزاحمين، لأنّه يعتبر عقلا في المجعولات الشرعيّة القدرة على امتثالها لقبح تكليف العاجز، و المفروض حصول القدرة على امتثال كلّ من المتزاحمين عند ترك امتثال الآخر، و لا موجب لتعيّن صرف القدرة في امتثال أحدهما بالخصوص، لأنّ كلا من المتزاحمين صالح لأنّ يكون معجّزا مولويّا و شاغلا عن الآخر، إذ كلّ تكليف يستدعي نفي الموانع عن وجود متعلّقه و حفظ القدرة عليه، و حيث لا يمكن الجمع بينهما في الامتثال، فالعقل يستقلّ حينئذ بصرف القدرة في أحدهما تخييرا، إمّا لأجل تقييد التكليف في كلّ من المتزاحمين بحال عدم امتثال الآخر، و إمّا لأجل سقوط التكليفين معا و استكشاف العقل حكما تخييريّا لوجود الملاك التامّ في كلّ منهما، على اختلاف المسلكين في ذلك، كما تقدّمت الإشارة إليهما.
و على كلّ حال: التخيير في باب التزاحم لم ينشأ من ناحية الدليل الدالّ على وجوب كلّ من المتزاحمين، بل نشأ من ناحية المدلول و المنكشف، لما عرفت:
من أنّ المجعول في باب التكاليف إنّما يقتضي التخيير في امتثال أحد التكليفين عند تعذّر الجمع، بالبيان المتقدّم. و قد استقصينا الكلام في ذلك في محلّه. و الفرق بين التخيير الجائي من قبل الدليل و التخيير الجائي من قبل المدلول، هو أنّ التخيير في الأوّل ظاهريّ و في الثاني واقعيّ، كما لا يخفى وجهه.