فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٢٩٦ - الأمر الثاني
و لا يلزم من ذلك صحّة العمل عند زوال صفة الجهل، لما عرفت: من أنّه بالعلم يتبدّل الاستقلاليّ النفسيّ إلى الغيريّ القيديّ، فيصحّ العمل من الجاهل و لا يصحّ من العالم.
و توهّم: أنّه كيف يمكن تبدّل وصف الاستقلاليّة إلى الغيريّة مع وضوح التنافي بين الوصفين فاسد، فانّ التنافي بينهما يمنع عن اجتماعهما في محلّ واحد، و ليس المدّعى هذا، بل المدّعى أنّ زوال صفة الجهل بالحكم يوجب زوال وصف الاستقلاليّة عن وجوب الجهر أو الإخفات و التلبّس بوصف الغيريّة، هذا مع بقاء ملاك الاستقلاليّة، لأنّ التنافي إنّما هو بين وصف الاستقلاليّة و الغيريّة، لا بين الملاكين.
و الحاصل: أنّ وصف الاستقلاليّة و الغيريّة كوصف الوجوب و الاستحباب ممّا لا يمكن أن يجتمعا، لتنافيهما ذاتا، إلّا أنّه يمكن أن يطرأ على الاستقلاليّة ملاك الغيريّة، فيكون الشيء واجبا بالغير بعد ما كان واجبا بالاستقلال، و تندك جهة الاستقلاليّة في الجهة الغيريّة [١] كما تندك جهة الاستحباب في جهة الوجوب.
______________________________
[١] أقول: الوجوب الّذي تعلق به العلم قهرا يكون في الرتبة السابقة عن العلم، فكيف يعقل اندكاكه بما يتحصّل في الرتبة اللاحقة؟ بل لا محيص من وجود كلّ منهما في رتبة نفسه، و يستحيل صيرورة العلم بالشيء للانقلاب عمّا هو عليه في مرتبة وجوده، غاية الأمر أمكن أن يحدث العلم وجودا آخر في الرتبة المتأخّرة عن نفسه، فلا جرم يبقى المعلوم في رتبة معلوميّته بحاله، و لازمه عند ترك الجهر في الصلاة الجهريّة مع العلم بوجوب جهرة العقابين: عقاب بترك الجهر المعلوم وجوبه نفسيّا، و عقاب لترك الصلاة المقيّد به في الرتبة المتأخّرة.
و لئن قيل: بأنّ الوجوب النفسيّ ظرفه الصلاة الصحيح و لو أتى به في الرتبة المتأخّرة. و نقول: إن أريد من الظرف ما هو من قبيل الشرط لوجوبه، فيلزم أن يكون وجوبه النفسيّ المعلوم مشروطا بوجوده، و هو أفحش فسادا! و إن أريد مجرّد الظرفيّة لامتثاله مع إطلاق وجوبه، فيلزم التالي المزبور: من تعدّد العقوبة، و لو ترى بالنظر الإنصافي تجد أنّ هذا الوجه غير قابل للتفوّه به.