فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ١٩٧ - تتمة
باب تعارض الأخبار كان الحكم عند تعارض النصّين في وجوب الأكثر هو التساقط و الرجوع إلى البراءة، إلّا أنّ إطلاق أدلّة التخيير تعمّ مورد تعارض النصّين في وجوب الأكثر، فللمجتهد الفتوى على طبق أحدهما إذا قلنا بالتخيير في المسألة الفقهيّة، على ما سيأتي بيانه (إن شاء اللّه تعالى) في محلّه.
نعم: هنا بحث آخر قد تعرّض له الشيخ- قدّس سرّه- في المقام و في باب التعادل و التراجيح، و هو أنّ التخيير في الأخذ بأحد المتعارضين هل يختصّ بما إذا لم يكن في البين إطلاق أو عموم موافق لأحدهما؟ بحيث كان المرجع بعد التساقط لو لا أدلّة التخيير هو الأصول العمليّة، فلو كان هناك عامّ موافق فالعمل لا بدّ و أن يكون على طبق العامّ لا التخيير [١] أو أنّ التخيير في الأخذ
______________________________
[١] أقول: بعد ما كان مفاد أدلّة التخيير في المتعارضين الوجوب التخييري لا صرف الإرشاد إلى التخيير في العمل، كيف! و هو خلاف ظاهر أمره بالتخيير بقوله: «إذن فتخيّر» فلا محيص حينئذ من تطبيقه على مورد يمكن مخالفة هذا الأمر، و هو لا يكون إلّا في صورة التمكن عن مخالفة مفاد المتعارضين، و بعد فرض انتهاء الأمر في تعارض الخبرين إلى النفي و الإثبات اللّتين هما من النقيضين يستحيل تصوّر الوجوب التخييري في مثله، كي ينتهي الأمر إلى التخيير في المسألة الفرعيّة، بل التخيير المتصوّر فيه هو مجرّد التخيير العملي الّذي هو مفاد البراءة، أو التخيير في المسألة الأصوليّة الراجع إلى الأمر بأخذ كلّ واحد في استطراقه إلى الواقع، كي ينتج بعد الأخذ تعيّن الحجّة و الطريق له، فإذا كان كذلك، فنقول: إنّ المتعيّن بظاهر الأمر في المولويّة هو الأخير، لا الأوليين، و بعد ذلك نقول:
إنّ من المعلوم: أنّ حجّيّة كلّ واحد قبل الأخذ به محال، و لازمه تحيّر المكلف قبل الأخذ بواحد منهما، غاية الأمر أمكن للمكلّف رفع تحيّره بواحد منهما بعد أخذه، و حينئذ لو بنينا على قصر اقتضاء حجيّة العامّ على طرف لم يرد على خلافه حجّة أقوى صدق هذا المعنى قبل الأخذ بواحد منهما، و عليه فلو كان الأمر بالتخيير مختصّا بالمتحيّر العقلي فلا يشمل المقام، لوجود العام في رفع تحيّره، و إن قلنا بعدم اختصاصه يشمل المقام، فيسقط العامّ بعد الأخذ بالمخالف عن الحجّيّة لوجود الحجّة الأقوى على خلافه، و لا معنى حينئذ لمرجّحيّة العام.
نعم: لو بنينا على اقتضاء العموم للحجيّة و أنّ الحجّة الأقوى من باب وجود الأقوى في المتزاحمين