فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ١٤٥ - الفصل الأول في دوران الأمر بين الأقل و الأكثر في الأسباب و المحصلات
و لا تناله يد الوضع و الرفع التشريعي، فلا يعمّه أدلّة البراءة [١] فالشكّ في جزئيّة شيء للسبب أو شرطيّته يرجع إلى الشكّ في حصول متعلّق التكليف و تحقّق الامتثال عند عدم الإتيان بالأكثر، و العقل يستقلّ بوجوب إحراز الامتثال و القطع بالخروج عن عهدة التكليف، و لا يحصل ذلك إلّا بالإتيان بكلّ ما يحتمل دخله في السبب، و ذلك واضح.
و أمّا في الأسباب الشرعيّة: كالغسلات في باب الطهارة الحدثيّة و الخبثيّة، بناء على أن يكون المأمور به هو التطهير و الغسلات محصّلة له، لا أنّها هي المأمور بها- كما ربما يدلّ عليه الأمر بالتطهير في جملة من الأدلة الواردة في باب الطهارة الحدثية و الخبثيّة- فقد يتوهّم: جريان البراءة عن الأكثر، لأنّ الشكّ فيها يرجع إلى الشكّ في المجعول الشرعي، فيعمّه أدلّة البراءة.
هذا، و لكن قد تقدّم في مبحث البراءة فساد التوهّم، و نزيده في المقام وضوحا، فنقول: إنّ شمول أدلّة البراءة للمحصّلات الشرعيّة يتوقّف على أن تكون المجعولات الشرعيّة هي الأسباب لا المسبّبات، و أن تكون أجزاء السبب و شرائطه أيضا مجعولة بجعل مستقلّ مضافا إلى جعل الأسباب، و قد بيّنا في محلّه استحالة ذلك.
بيان الملازمة: هو أنّه لو كانت المجعولات الشرعيّة نفس المسبّبات و ترتّبها على أسبابها- كترتّب الطهارة على الغسلات الثلاث، و النقل و الانتقال علي البيع و الشراء- فالأسباب تكون خارجة عن دائرة الجعل، و لا تنالها يد الوضع و الرفع التشريعي، إذ لا تعقل أن تتعلّق الجعل الشرعي بكلّ من السبب و المسبّب، لأنّ جعل أحدهما يغني عن جعل الآخر، فبناء على تعلّق الجعل
______________________________
[١] أقول: لو كان المراد من المجعول الأعمّ من الأصلي و التبعي قد يشكل أمر التفكيك بين جعليّة المسبّب و عدم جعليّة السبب و لو تبعا، إذ لا معنى لجعل المسبّب إلّا منوطا بالأمر العقلي أو العادي، و إلّا لو لم يلحظ في مقام جعله هذه الإناطة لا يتصوّر سببيّة الأمر العادي للأمر الجعلي، و مع تصوّره فيرجع إلى جعل السببيّة و لو تبعا، لجعل المسبّب منوطا بالمطلق أو المقيّد، كما لا يخفى.