فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ١٣٢ - الأمر الرابع
إن أريد من استصحاب بقاء القدر المشترك إثبات كون الحادث هو الفرد الباقي و أنّه هو متعلّق التكليف، فهذا يكون من أردإ أنحاء الأصل المثبت، و دعوى وضوح الملازمة و خفاء الواسطة ممّا لا ترفع غائلة المثبتيّة، كما سيتّضح وجهه في مبحث الاستصحاب (إن شاء اللّه تعالى).
و إن أريد من استصحاب بقاء القدر المشترك مجرّد لزوم الإتيان بالمحتمل الآخر و الفرد الباقي مقدّمة للعلم بفراغ الذّمّة عمّا اشتغلت به، فهذا ممّا يكفي فيه نفس حدوث التكليف و الشكّ في الامتثال [١] و لا يتوقّف على إحراز بقاء التكليف و العلم بعدم الامتثال، لاستقلال العقل بأنّ الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينيّة و ليس هذا من الأحكام الّتي تنالها يد الجعل الشرعي، لأنّ ذلك من شئون الطاعة و المعصية الّتي يستقلّ العقل بها، فوجوب الإتيان بالمحتمل الآخر عقلا ممّا هو محرز بالوجدان، لأنّ الشكّ بالفراغ تمام الموضوع له، و لا يعقل التعبّد بما هو محرز بالوجدان، فانّه أسوأ حالا من الأمر بتحصيل الحاصل، لأنّ تحصيل الحاصل هو ما إذا كان المحصّل للحاصل من سنخ الحاصل، كإحراز المحرز بالوجدان بالوجدان أو المحرز بالتعبّد بالتعبّد، و أمّا
______________________________
[١] أقول: و قد يوهم هذا البيان أنّ هذا المقدار يكفي لجريان الاستصحاب لو لا قاعدة الاشتغال، كما في صورة حصول العلم بعد التلف. و لا يخفى ما فيه: من أنّ استصحاب الجامع إجمالي إنّما يجري في صورة الجزم بكون المورد عمله و مورد امتثاله، و مع الشكّ فيه- كما هو الشأن في علمه الوجداني- لم يحرز لهذا الجعل أثر عملي، فلا يجري كي يقتضي لزوم الإتيان بالمحتمل، و إن كان في البين قاعدة اشتغال.
نعم: لو بنينا- كما هو المشهور- من أنّ نتيجة استصحاب التكليف جعل المماثل، أمكن أن يقال: بأنّ جعل الجامع لا يعقل إلّا في ضمن فصل، و هو لا يكون إلّا الخصوصيّة وجوب الباقي، فبالاستصحاب حينئذ يحرز هذه الخصوصيّة، لأنّه من لوازم الحكم الظاهري، لا من لوازم الواقع محضا كي يكون مثبتا، و لازمه حينئذ عدم جريان قاعدة الاشتغال، لوجود البيان الرافع لموضوع القاعدة، كاستصحاب تكليف شخص المورد، كما لا يخفى، فتدبّر فيما ذكرنا، كي لا يبقى لك مجال جعل القاعدة مانعا من جريان هذا الاستصحاب.