حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٥٠
نحو اختصار الأول ثانيا، مع جمود القريحة بصرّ البليات، و خمود الفطنة بصرصر النكبات، ...
(و قوله: نحو) ظرف ل" ثانيا" بعده، معناه: الجهة. (قوله: مع جمود القريحة) حال من فاعل" انتصبت" أو من" شرح"، و الجمود بالجيم: عدم السيلان، استعير هنا لضعف القريحة أى عدم انبساطها و عدم توغلها فى المدارك، بجامع قلة الانتفاع إلا بعد تكلف، أو أنه شبه القريحة بماء على طريق المكنية، و إثبات الجمود تخييل إما باق على حقيقته أو مستعار لضعف الفطنة، و القريحة فى الأصل اسم لأول مستنبط من ماء البئر استعير لأول ما يستنبط من العلم أو لما يستنبط منه مطلقا، بجامع أن كلّا منهما سبب للحياة، فالماء سبب لحياة الجسم، و العلم سبب لحياة الروح، ثم أطلق على العقل؛ لأنه محل العلم أو بعضه- أى بعض ضروريّه، على مذهب إمام الحرمين [١]- مجازا مرسلا علاقته الحالية أو الكلية، أو استعارة ثم صار إطلاقه عليه حقيقة عرفية.
(قوله: بصرّ البليات) أى: بسبب البليات التى كالصر، و هو برد شديد يضر بالنبات و يجمد الماء. (قوله: و خمود الفطنة) الخمود- بالخاء المعجمة-: سكون لهب النار، و الفطنة فى الأصل: الفهم، و المراد بها هنا الذهن بمعنى العقل، إما مجازا مرسلا علاقته الحالية، أو حقيقة عرفية، و لا يخفى ما فى الكلام من الاستعارة بالكناية حيث شبه فطنته بالنار بجامع الانتشار فى كل؛ لأن الفطنة تنتشر فى المدارك كما أن النار تنتشر فى الحرق، و الخمود تخييل.
(قوله: بصرصر النكبات) الصرصر: الريح الشديدة العاصفة، و إضافته للنكبات بمعنى المصائب و حوادث الدهر من إضافة المشبه به للمشبه، أى: بالنكبات الشبيهة بالريح
[١] هو عبد اللّه بن عبد اللّه بن يوسف بن محمد بن عبد اللّه بن حيويه الجويني، و يكنى بأبى المعالى، ولد سنة ٤١٩ ه، كان له معرفة تامة بالفقه و الأصول و النحو و التفسير و الأدب، و من مؤلفاته: الإرشاد و الورقات فى أصول الفقه، و نهاية المطالب فى دراية المذاهب، و له فى أصول الدين:" الشامل فى أصول الدين، توفى سنة ٤٧٨ ه.
انظر: مقدمة غياث الأمم، بتحقيق د/ مصطفى حلمى و فؤاد عبد المنعم محمد.