حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٢٨٣
..........
و الخفاء، من حيث إنه لا يعتد بذلك الإيراد إلا إذا حصلت الرعاية لمقتضى الحال، كما يشعر به تعريف البيان بأنه علم يعرف به إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة الوضوح و الخفاء بعد رعاية المطابقة لمقتضى الحال، فلما كانت ثمرة البيان متوقفة على ثمرة المعاني، و علم البيان متوقف على ثمرته و هو الإيراد المذكور، صار علم البيان متوقفا على شيئين ثمرته و ثمرة علم المعانى التى توقف عليها ثمرته؛ لأن المتوقف على المتوقف على شىء متوقف على ذلك الشىء، و حيث كان علم البيان متوقفا على شيئين، و علم المعانى متوقفا على واحد منهما صار علم المعانى بمنزلة الجزء من علم البيان، و الجزء مقدم على الكل طبعا، فقدم علم المعانى لذلك وضعا، و الحاصل أن ثمرة علم المعانى التى هى رعاية المطابقة شديدة الارتباط به؛ لأنها المقصودة منه حتى كأنها هو، و هى تشبه الجزء من علم البيان لتوقفه عليها من حيث اعتبار ثمرته و الاعتداد بها، و يتوقف على غيرها أيضا: كإيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة الوضوح و الخفاء، و ما يتوقف عليه الشىء يشبه جزأه بجامع التوقف عليه فى الجملة، فتلك الرعاية و ذلك الإيراد يشبهان أجزاء علم البيان لتوقفه عليهما، فكان علم المعانى بمنزلة الجزء لكون ثمرته المقصود منه كالجزء، و إنما قلنا إنها تشبه الجزء؛ لأنها ليست جزءا حقيقة للبيان، لأنه ليس عبارة عنها مع شىء آخر، و إنما قلنا من حيث اعتبار ثمرته و الاعتداد بها؛ لأن تحققه و حصوله لا يتوقف على رعاية المطابقة؛ لأنه يمكن تحقق ملكة يقتدر بها على إيراد المعنى الواحد بالطرق المذكورة من غير رعاية للمطابقة، و لا شك أن هذه الملكة تسمى علم البيان.
إذا علمت هذا، فقول الشارح لكونه منه بمنزلة المفرد من المركب: كلمة من فى الموضعين ابتدائية، إلا أن الابتداء باعتبار الاتصال، لا أنها ابتدائية محضة؛ لأن مجرورها ليس مبدأ و منشأ لنفس ما قبلها، بل متصل به، و المعنى لكون المعانى حال كونه ناشئا من البيان أى: متصلا به بمنزلة المفرد حال كونه ناشئا من المركب أى: متصلا به، و ملخصه: أن اتصال المعانى بالبيان و نسبته إليه: كاتصال المفرد بالمركب، و نسبته إليه من جهة التوقف على كل، و إن كان توقف المركب على المفرد من جهة كونه جزءا