حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٢٤٦
(فالبلاغة) صفة (راجعة إلى اللفظ) ...
بلازم أن يراد بالحيوان و بالأبيض جميع أفرادهما، و قد يجاب بأن الملحوظ فى الحصرين و هما، لا ارتفاع لشأن الكلام إلا بالمطابقة لمقتضى الحال، و لا ارتفاع له إلا بمطابقته للاعتبار المناسب ثبوت الحكم لكل فرد، و أن المعنى كل فرد من أفراد الارتفاع لا يكون إلا بالمطابقة المذكورة، لا أن الملحوظ عدم خروج الحكم عن العام، و حينئذ إن لم يتحد الحصران يبطل أحدهما أو كلاهما، و إنما كان الملحوظ فيهما ثبوت الحكم لكل فرد من أفراد العام، لما علمت سابقا من أن اسم الجنس المفرد إذا أضيف لمعرفة و لم تقم قرينة على تخصيصه ببعض ما يصدق عليه كان لاستغراق أفراد الجنس، و لا شك أن كلا من الحصرين محتو على مصدرين: الارتفاع و المطابقة مضافين، فيكون المعنى أن كلا من الارتفاعين لا يحصل إلا بكل من المطابقة للاعتبار و المقتضى.
(قوله: فالبلاغة راجعة إلخ) هذا تفريع على تعريف البلاغة السابق أى: إذا علمت ما تقدم لك من التعريف ظهر لك أن البلاغة صفة راجعة للفظ؛ لأنها على ما علم من التعريف مطابقة الكلام لمقتضى الحال، و ظاهر أن المطابقة صفة المطابق فتكون المطابقة راجعة للكلام من رجوع الصفة للموصوف، لكن رجوعها له ليس مع قطع النظر عن معناه، بل رجوعها له باعتبار إفادته المعنى الحاصل بسبب التركيب و هو المعنى الثانى الذى يعتبره البلغاء و يقصدونه، و هى الخصوصيات التى يقتضيها الحال الزائدة على أصل المراد؛ لأنه لو كانت البلاغة صفة راجعة له مع قطع النظر عن المعنى المقصود إفادته، الذى هو المعنى الثانى و هو مقتضى الحال، لتصور معنى البلاغة بدون اعتبار مقتضى الحال، و هو محال.
و غرض المصنف بهذا التفريع دفع ما يتوهم من التناقض فى كلام الشيخ عبد القاهر فى دلائل الإعجاز؛ لأنه تارة يصف اللفظ بالبلاغة، و تارة يصف المعنى بها، و تارة ينفيها عن اللفظ، و تارة ينفيها عن المعنى، و حاصل دفع التناقض أن وصفه المعنى بها مراده المعنى الثانى باعتبار أن المقصود من اللفظ إفادته، و وصفه اللفظ بها باعتبار إفادته ذلك المعنى المقصود، و نفيها عن اللفظ مراده اللفظ المجرد عن المعنى و الخصوصيات،