حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٣٤
عن المصباح، و أودعته غرائب نكت سمحت بها الأنظار، ...
استعارة لشراح هذا المتن التى لغير الشارح، بجامع إظهار ما كان خفيّا فى كل، و المعنى حينئذ: و صيرت ذلك المتن غنيّا بالمطول الشبيه بالإصباح عن غيره من الشروح الشبيهة بالمصباح. و إنما آثر لفظ" الإصباح" على لفظ" الصبح"؛ لمزاوجة لفظ المصباح، و فى ذلك إيماء إلى أنه ينبغى أن يسمى شرحه بالإصباح، لكن لم يشتهر بذلك، و إنما غلبت عليه التسمية بالمطوّل.
(قوله: و أودعته) أى: وضعت فيه، فشبه شرحه بأمين تودع عنده النفائس، على طريق الاستعارة المكنية، و اختار التعبير ب" أودعته" دون" وضعت فيه"؛ للإشارة إلى عزة تلك النكات؛ لأنه يفهم منه أنه ملتفت إليها و ملاحظ لها كما هو شأن من يودع، و للإشارة إلى أن تلك النكات من مستنبطاته؛ لأن الشخص إنما يودع ما كان ملكا له. (قوله: غرائب نكت) من إضافة الصفة للموصوف، أى: نكتا غريبة مستبدعة مستظرفة الشأن أى تلتفت إليها النفوس؛ لأن شأن النفس التفاتها للشىء الغريب بخلاف غير الغريب فإنه مبتذل عند النفس، و النكت جمع نكتة و هى فى الأصل البحث فى الأرض بعود و نحوه، و من لازم ذلك ظهور لون فى ذلك المكان المبحوث فيه مخالف للون ما أحاط به ثم استعملت النكتة فى كل لون مخالف لما أحاط به، على طريق المجاز المرسل، و العلاقة الملزومية، ثم استعيرت للطائف المعانى لمخالفتها لغيرها عند الذهن فى الحسن، فإطلاقها على لطائف المعانى مجاز مبنى على مجاز، و لك أن تقول: إن إطلاق النكتة على المعنى الدقيق مجاز مرسل علاقته المجاورة؛ لأنّ الإنسان إذا استعمل فكره فى المعنى الغامض ينكت فى الأرض بعود أو بإصبعه بحسب العادة.
(قوله: سمحت) بفتح السين المهملة و الميم مأخوذ من السماحة و هى الجود، أى: جادت بها الأنظار، و فى تعبيره بسمحت إشارة لعزة تلك النكات؛ لأن الجود إنما يقال فى مقابلة البخل، و الشأن أن الإنسان إنما يبخل بالعزيز، و حينئذ فالمعنى: جادت بها الأنظار مع أنها لعزتها مما يبخل بها، و إسناد السماحة للأنظار مجاز عقلى؛ إذ الحقيقة إسناد السماحة لأصحاب الأنظار، أو أن فى الكلام استعارة بالكناية حيث شبه الأنظار