حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٢٥٩
و رعاية الاعتبارات، ...
العدد، كما إذا كان لشخص أحوال عشرة، و لآخر أحوال تسعة، و لآخر أحوال ثمانية.
و هكذا، و كل حال يقتضى خصوصية فالإتيان للأول بعشر خصوصيات طرف أعلى، و الإتيان للأخير بخصوصية طرف أسفل، و ما بينهما مراتب متوسطة متفاوتة بحسب تفاوت الأحوال فى الكم، و كذا يتناول التفاوت بحسب الكيف و المقدار، كما إذا كان لشخص إنكار شديد القوة، و لآخر إنكار قوى غير شديد القوة، و لآخر إنكار ضعيف، فالمقامات متفاوتة بحسب الكيف فقط، فالإتيان للأول بثلاث مؤكدات طرف أعلى، و للأخير بمؤكد طرف أسفل، و للثانى بمؤكدين مرتبة وسطى فقد صدق أن مراتب البلاغة متفاوتة بحسب تفاوت المقامات فى الكيف.
(قوله: و رعاية الاعتبارات) أى: قصد الخصوصيات المعتبرات، فرعاية خصوصيتين أعلى من رعاية خصوصية، و رعاية ثلاث أعلى من رعاية اثنتين لمقام واحد، و فيه إشكال؛ لأنه إذا اعتبرت خصوصية واحدة مثلا، فإن كان رعاية الأكثر يقتضيه الحال، فالبلاغة لا توجد بدونه، و إن كان لا يقتضيه الحال، فالبلاغة لا تتوقف عليه و لا تحصل باعتباره، فمراعاته لا تقتضى زيادة البلاغة؛ لأنها مطابقة الكلام لجميع مقتضى الحال، و هذا ليس مقتضى حال، فكيف تتفاوت البلاغة بحسب رعاية الاعتبارات؟ و أجاب السيد عيسى الصفوى [١]: بأن هذا الإيراد مبنى على أن البلاغة مطابقة الكلام لجميع ما يقتضيه الحال و هو ممنوع، بل هى مطابقة الكلام لمقتضى الحال فى الجملة، فإذا اقتضى الحال شيئين، فروعى أحدهما دون الآخر كان الكلام بليغا من هذا الوجه، و إن لم يكن بليغا مطلقا، و حينئذ فإذا اقتضى الحال شيئين تحققت البلاغة بمراعاة أحدهما فقط، لكن مراعاتهما أزيد بلاغة و أعلى. قاله يس، لكن قد تقدم لنا عن عبد الحكيم: أن الحق أن البلاغة مطابقة الكلام لجميع ما يقتضيه الحال، لكن بقدر الطاقة،
[١] هو عيسى بن محمد بن عبيد اللّه أبو الخير- قطب الدين الحسنى الحسينى الإيجى- المعروف بالصفوى من مصنفاته" شرح الكافية لابن الحاجب" و" شرح الحديث الأول من الجامع الصحيح للبخارى" و غيرها- قال ابن العماد: كان من أعاجيب الزمان. توفى سنة ٩٥٣ ه و انظر الأعلام (٥/ ١٠٨).