حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ١٩٩
و هو الصحيح، و بالنصب و هم (عيناى الدّموع لتجمدا) [١] جعل سكب الدموع كناية عما يلزم فراق الأحبة ...
أى: عطفا على مجموع سأطلب و قرر بعضهم أنه بالرفع عطف على أطلب، فالمعنى و ستسكب إلخ، و فى هذا الثانى نظر؛ فإن البكاء شعار المحبين؛ لأنه ينبئ عن شدة الشوق، فلا ينبغى التسويف به إلا أن يقال: إن التسويف به لا بهذا الاعتبار، بل باعتبار ما فيه من المشاق و تكدير عيش العشاق.
(قوله: و هو الصحيح) أى: لثبوته عنده بالنقل الصحيح؛ و لأن ما ذكره من معنى البيت هو الصحيح عنده و هو مبنى على الرفع (قوله: و هم) أى: غلط؛ و ذلك لأنه إما عطف على بعد من قبيل عطف الفعل على اسم خالص من التأويل بالفعل و هو لا يحسن؛ لأن سكب الدموع حينئذ يدخل تحت الطلب، و لا يخفى أن البكاء و الحزن شعار العاشق المهجور غير منفكين عنه فى حال من الأحوال، و حينئذ فلا معنى لطلبهما للزوم طلب الحاصل؛ إلا أن يقال: المطلوب استمرار السكب لا أصله، و إما عطف على قوله: لتقربوا و هو لا يصح ذلك؛ لأن تعليل طلب بعد الديار بالقرب يدل على أن المقصود من طلب البعد قرب الأحبة المقتضى للفرح و السرور، فكيف يعلله بعد ذلك بالحزن الذى هو المراد من سكب الدموع؟ إذ تعليله به يقتضى أن المقصود من طلب بعد الديار حصول الحزن و الكآبة له لأقرب الأحبة، فالتعليل الثانى يفيد نقيض ما أفاده الأول، و التناقض الذى هو باطل ما جاء إلا من جعله عطفا على: لتقربوا فبطل عطفه على بعد و على لتقربوا، و حينئذ فتعين الرفع (قوله: جعل سكب الدموع كناية إلخ) أى: فليس المراد للشاعر الإخبار بسكب عينيه للدموع، بل القصد الإخبار بلازمه و هو
[١] البيت من الطويل، و هو للعباس بن الأحنف فى الإيضاح ص ٧، و شرح عقود الجمان ١/ ١٥، و البيت فى ديوانه أيضا ص ١٠٦ ط. دار الكتب، و دلائل الإعجاز ص ٢٦٨، و الإشارات و التنبيهات ص ١٢، قوله:" و تسكب" بالرفع و نصبه بالعطف على" بعد" أو على" تقربوا"، وهم، و الحق أن لا شىء فى عطفه على" تقربوا"، و السين فى قوله" سأطلب" لمجرد التأكيد، و معنى الشطر الأول أن يفارقه رجاء أن يغنم فى سفره فيعود إليه فيطول اجتماعه به.