حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٣٠
و بعد: فيقول الفقير إلى اللّه ...
كذا قرر شيخنا العلامة العدوى، و لا يخفى ما فى كلام الشارح من التلميح، و هو الإشارة لشيء من كلام اللّه أو كلام رسوله أو قصة أو مثل، فذكر السبق إشارة لقوله تعالى: وَ السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ [١]، و ذكر البراعة إشارة لقوله عليه الصلاة و السّلام:
" لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما ساوى مدّ أحدهم و لا نصفيه" [٢].
(قوله: و بعد ... إلخ) هو ظرف زمان مبنى على الضمّ لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى، أى: بعد البسملة و الحمدلة و الصلاة، و دخول الفاء على توهّم" أمّا" فى الكلام، و الواو عاطفة قصة على قصة أو للاستئناف: إما النحوى و هو ظاهر، أو البيانى فتكون الجملة واقعة فى جواب سؤال مقدّر، أى: ماذا تقول بعد البسملة و الحمدلة و الصلاة؟
فأجاب بقوله: و بعد فيقول ... إلخ، و على هذا الاحتمال- أعنى كون" أما" متوهمة و الواو عاطفة أو استثنائية- فالظرف معمول ل" يقول"، و يحتمل أن تكون" أما" مقدّرة فى نظم الكلام و الواو عوض عنها، و على هذا الاحتمال فعامل" بعد" أما المحذوفة لنيابتها عن فعل الشرط أو فعل الشرط المقدر بمهما يكن من شيء أو جوابه، و هو يقول.
(قوله: فيقول) مقتضى الظاهر أن يعبّر ب" أقول" لكنه التفت من المتكلم فى" نحمدك" إلى الغيبة؛ توصلا للوصف بالعبودية التى هى أشرف الأوصاف، و لو عبر بما يقتضيه الظاهر و أتى بذلك الوصف لكانت جملته فضلة، و اللائق بذلك الوصف أن تكون جملته عمدة. (قوله: الفقير) فعيل بمعنى مفتقر، و صيغة فعيل تأتى للمبالغة و صفة مشبهة، و هى هنا للمعنيين؛ بناء على جواز استعمال المشترك فى معنييه، و حينئذ فالمعنى:
كثير الفقر و دائمه، و هذا الوصف لازم لكل أحد لا ينفك عنه، قال تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ [٣] و هذا معنى البطلان فى قول لبيد [٤]:
[١] الواقعة: ١٠.
[٢] أخرجه البخارى (ح ٣٩٧٣)، و مسلم فى فضائل الصحابة (٥/ ٤٠/ ٢٢٣).
[٣] فاطر: ١٥.
[٤] لبيد بن ربيعة فى: ديوانه ص ٢٥٦، و ديوان المعانى ١/ ١١٨، و شرح التصريح ١/ ٢٩، و العقد الفريد ٥/ ٢٧٣، و خزانة الأدب ٢/ ٢٥٥- ٢٥٧.