حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٣٥
و وشحته بلطائف فقر سبكتها يد الأفكار، ...
بقوم جادوا بمبخول به، بجامع أن كلّا ملتبس بإيجاد ما يستحسن على طريق الاستعارة بالكناية، و إثبات السماحة تخييل، و" أل" في الأنظار عوض عن المضاف إليه أى:
أنظارى، و النظر هو الفكر المؤدى لعلم أو ظن، و الفكر حركة النفس فى المعقولات.
(قوله: و وشحته) مأخوذ من التوشيح، و هو إلباس الوشاح، و الوشاح شيء يتخذ من الجلد يرصع بالجواهر تلبسه المرأة ما بين عاتقها و كشحها، و يلزم من ذلك التوشيح التزيين فأطلق التوشيح هنا، و أريد لازمه أى و زينته، و يحتمل أنه شبه الشرح بعروس على طريق الاستعارة المكنية، و التوشيح تخييل.
(قوله: بلطائف فقر) إما بالإضافة من إضافة الصفة للموصوف فلطائف مجرور بالكسرة، و إما بترك الإضافة فلطائف مجرور بالفتحة و فقر بدل أو عطف بيان، و الفقر جمع فقرة بكسر الفاء، و هى فى الأصل أحد فقار الظهر أى: عظمه المتصل المسمّى بسلسلته، ثم استعير لحلى يصاغ على هيئته يسمّى بالحياصة [١]، ثم استعير هنا للكلام المسجّع المقفى على سبيل الاستعارة المصرّحة، فهو مجاز مبنى على مجاز، و يصح أن يراد بالفقر هنا الحلى المسمّى بذلك، فعلى الإضافة يكون من إضافة المشبه إلى المشبه به و إن كانت قليلة بخلاف عكسها، و المعنى: لطائف كالفقر، و على ترك الإضافة تكون فقر صفة للطائف على تقدير حرف التشبيه أى: لطائف كالفقر، و على الوجهين فالمراد باللطائف: الكلام المسجع المقفى. فظهر لك مما قلناه أن هذه السجعة تضمنت مدح الشرح باعتبار ما اشتمل عليه من العبارات الرائقة و الجمل الفائقة، و السجعة التى قبل هذه تضمنت مدحه باشتماله على المعانى اللطيفة الحسنة، فمفاد كل منهما غير مفاد الأخرى.
(قوله: سبكتها يد الأفكار) أى صاغتها و صفّتها، و إضافة" يد" ل" الأفكار" من إضافة المشبه به للمشبه أى الأفكار الشبيهة بالأيدى، بجامع ترتب المنفعة على كلّ، (و قوله:
[١] الحياصة سير في الحزام، و الحياصة سير طويل يشد به حزام الدابة، و انظر: لسان العرب (٢/ ١٠٧٠) (مادة حيص).