حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٢٩
فى مضمار الفصاحة و البراعة ...
السبق من إضافة الدال للمدلول، أى القصب الدال على السبق، أى الدال حوزه عليه.
(و قوله: فى مضمار) صفة القصب أى المغروز فى مضمار الفصاحة، و المضمار محل تسابق الفرسان بالخيل و يقال له أيضا: ميدان، و إنما سمّى مضمارا لتسابق الفرسان فيه بالخيل المضمرة.
ثم إن الفصاحة سيأتى تعريفها، و أما البراعة فمصدر (برع) الرجل إذا فاق أقرانه، فالبراعة: فوقان الأقران، و المراد بها هنا ما به الفوقان من الكمال و الشرف. ثم لا يخفى أن كلا من الفصاحة و البراعة بالمعنى المراد هنا لا مضمار لهما، و حينئذ ففى الكلام استعارة تمثيلية، حيث شبّه هيئة الآل و الأصحاب فى حوزهم أعلى مراتب الفصاحة و البراعة عند المحاورة و التخاطب، بهيئة الفرسان فى حوزهم قصب السبق عند التسابق بالخيل فى الميدان، و استعير اللفظ الموضوع للهيئة المشبه بها للهيئة المشبهة على طريق الاستعارة التمثيلية، أو استعارة مفردة مصرّحة فى قصب السبق، بأن شبه ما اختصوا به من بديع العبارات الدال على علو مرتبتهم فى الفصاحة و البراعة بقصب السبق، و استعير اسم المشبه به للمشبه، و المضمار ترشيح، أو مكنيّة فى الآل و الأصحاب بأن شبههم بفرسان، أو فى الفصاحة و البراعة بأن شبههما بالخيل الجيدة الموصلة للمراد، و إثبات المضمار على كل من الوجهين تخييل، و إحراز قصب السبق ترشيح، و الفصاحة و البراعة على الأول من الوجهين تجريد، و أقرب من ذلك أن نقول: الإحراز فى الأصل هو الضم، و المراد به هنا التحصيل، و القصب فى الأصل هى السهام الصغيرة التى تغرز فى آخر الميدان بحيث يعد من أخذها أولا سابقا، و المراد بها هنا النكات الدقيقة، أى: المحصلين للمعانى الدقيقة الدالة على سبقهم على غيرهم. (و قوله: فى مضمار) حال من الآل و الأصحاب أى حال كون الآل و الأصحاب تتسابق أذهانهم فى مضمار، و المراد به هنا الكلام البليغ من كلام اللّه و رسوله، فكما أن المضمار الأصلى تركض و تتسابق فيه الفرسان، كذلك الكلام البليغ تركض فيه أذهان الآل و الأصحاب، و إضافة المضمار بمعنى الكلام البليغ للفصاحة و البراعة؛ من حيث إنه يفيد أن الراكض فيه ذو فصاحة و براعة،