حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٤٠
و أن المنتحلين قد قلبوا أحداق الأخذ و الانتهاب، و مدّوا أعناق المسخ
(قوله: و أن المنتحلين) جمع منتحل و هو الآخذ لكلام الغير و ينسبه لنفسه تصريحا أو تلويحا، أى: و أن الآخذين لكلام غيرهم مظهرين أنه لهم.
(قوله: قلبوا أحداق [١]الأخذ) الإضافة لأدنى ملابسة، أى: قلبوا أحداقهم الملابس تقلّبها للأخذ و الانتهاب؛ لأنّ الشأن أن الإنسان وقت أخذ كلام غيره يقلب أحداقه، أو شبه الأخذ و الانتهاب بشخص ظالم، بجامع القبح فى كلّ، على طريق الاستعارة المكنية، و إثبات الأحداق تخييل، و التقليب ترشيح، و هذا كناية عن شدة عنايتهم باختصار المطول و نسبته لأنفسهم، و الانتهاب هو الأخذ قهرا، فهو من عطف الخاص على العام، لكن الشارح قصد به التفسير فهو تفسير مراد.
(قوله: و مدوا أعناق المسخ) مدّ العنق: تطويله، أي: و طولوا أعناقهم الملابس مدّها للمسخ، فالإضافة لأدنى ملابسة، و هذا كناية عن كمال الميل لاختصارهم له.
أو فى الكلام استعارة و تقريرها أن يقال: شبه أخذ معانى المطول مع التعبير عنها بعبارة أخرى بالمسخ الذى هو تبديل صورة بصورة أدنى من الأولى، ثم استعمل اسم المشبه به و هو لفظ المسخ فى المشبه على طريق الاستعارة المصرحة، ثم بعد ذلك شبه الأخذ المذكور أيضا بإنسان مفسد تشبيها مضمرا فى النفس على طريق الاستعارة بالكناية، و إثبات الأعناق تخييل، و المد ترشيح، فقد اجتمعت المصرحة و المكنية و التخييلية، على حد ما قيل فى قوله تعالى: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَ الْخَوْفِ [٢]، و لا يخفى ما فى التعبير بالمسخ من الإشارة إلى أنهم لو عبروا عن معانى المطول بعبارات أخرى، لكان تعبيرهم بعبارة متسفلة جدّا، لما علمت أن المسخ تبديل صورة بصورة أدنى من الأولى.
[١] جمع حدقة و هى السواد المستدير وسط العين، و قيل: هى فى الظاهر سواد العين و فى الباطن خرزتها قال الجوهرى: حدقة العين: سوادها الأعظم، و الجمع: حدق و أحداق و حداق. و انظر: لسان العرب (٢/ ٨٠٦) مادة: (حدق).
[٢] النحل: ١١٢.