حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٣٣٩
فى الافتراء و الإخبار حال الجنة على سبيل منع الخلو، ...
فى الآية التعداد فى مقام البيان، فإنه يفيد الحصر (قوله: فى الافتراء) متعلق بحصروا، كما أن قوله على سبيل ذلك متعلق به.
(قوله: على سبيل منع الخلو) فيه أن المقصود إثبات الواسطة و مانعة الخلو تجوز الجمع، فلو كان الخبر حال الجنة كذبا لم تثبت الواسطة مع أن إثباتها هو المراد، فكان الأولى أن يقول على سبيل منع الخلو. و الجمع إلا أن يقال: إن فى الكلام اكتفاء، و حينئذ فقولهم: أفترى على اللّه كذبا أم به جنة منفصلة حقيقة مانعة جمع و خلو، كقولك: العدد إما زوج أو فرد، أو يقال: إنه أراد منع الخلو بالمعنى الأعم المتنازل للانفصال الحقيقى لا بالمعنى الأخص، و توضيح ذلك أن منع الخلو بالمعنى الأخص الحكم بالتنافى فى الكذب فقط أى: فى حال كذب الطرفين و ارتفاعهما فقط كقولنا: زيد فى البحر، و إما أن لا يغرق و هذا المعنى هو المشهور، و منع الخلو بالمعنى الأعم هو الحكم بالتنافى فى الكذب مطلقا، سواء حكم بالتنافى فى حال صدق الطرفين و اجتماعها أيضا أو حكم بعدمه أو لم يحكم بشىء، و هو بهذا المعنى يشمل الانفصال الحقيقى بخلافه بالمعنى الأخص فلا يشمله، فإذا أريد منع الخلو بالمعنى الأعم صح وجود الواسطة؛ لأن من صور منع الخلو عدم جواز الاجتماع، فلا يجتمع الكذب و الخبر حال الجنة و هم من أهل اللسان فتعين أن يكون الخبر حال الجنة غير الكذب؛ لأنه قسيمه، و غير الصدق لأنهم يعتقدون عدم صدقه فتوجد الواسطة و حيث وجدت فلا يصح أن يكون الصدق عبارة عن مطابقة الواقع أو الاعتقاد، و الكذب عدم مطابقة الواقع أو الاعتقاد و إلا لانتفت الواسطة، فتعين أن يكون الصدق عبارة عن المطابقة لهما معا، و الكذب عدم المطابقة لهما معا و هو المطلوب. فإن قلت: لم عبر بقوله على سبيل منع الخلو و لم يقل على سبيل الانفصال الحقيقى مع أن القضية من قبيله فى نفس الأمر؟ قلت: إنما عبر بمنع الخلو؛ لأنه لا غرض لهم فى منع الاجتماع بين الأمرين، و إنما مطمح نظرهم منع الخلو فتأمل.