حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٤٤
بلا أثر، و ذهب رواؤه فعاد خلافه بلا ثمر، حتى طارت بقية آثار السلف أدراج الرياح، ...
(و قوله: بلا أثر) أى: بلا فائدة؛ و ذلك لعدم وقوف متعاطيه على حقائق أسراره فيتكلمون بظواهره. (قوله: و ذهب رواؤه) بضم الراء و المد أى منظره الحسن، استعارة للطائفه على طريق المصرّحة، أو شبه الفن بإنسان ذى منظر حسن، بجامع الرغبة فى كل على طريق المكنية، و إثبات الرواء تخييل إما باق على حقيقته لم يقصد به إلا تقوية الاستعارة، أو استعارة لمسائله اللطيفة و أسراره، و ذهابها بذهاب من يعرفها لا بنسيانها.
(قوله: فعاد) أى: فصار ذلك الفن، أى: صار التكلم فيه خلافا، أو صار ذلك الفن محل خلاف، أو فى الكلام مبالغة. (و قوله: بلا ثمر) أى: فائدة، و يحتمل أن الكلام فيه تشبيه بليغ بحذف الكاف أى: فصار ذلك الفن كخلاف أى: كشجر الخلاف و هو المسمى بالصفصاف، و هو لا ثمر له؛ و على هذا فقوله: (بلا ثمر) بيان للواقع، ثم إنّ هذه السجعة بمعنى ما قبلها لكن الخطب محل إطناب.
(قوله: حتى طارت ... إلخ) أى و استمر هذا الفن فى الاضمحلال شيئا فشيئا إلى أن طارت، ف" حتى" للانتهاء، و يصح أن تكون تعليلية، و السلف فى الأصل: من تقدّمك من آبائك، و المراد هنا علماء هذا الفن؛ لأنهم آباء فى التعليم، و المراد ببقية آثارهم ما بقى من فوائدهم و علومهم أو ما بقى من تلامذتهم المقررين لقواعد هذا الفنّ الناشرين لها بالإفادة، و فى الكلام استعارة بالكناية حيث شبه بقية آثار أهل هذا الفن بطائر، و إثبات الطيران تخييل إما باق على حقيقته أو مستعار للذهاب.
(قوله: أدراج الرياح) الأدراج جمع درج بفتح الدال و سكون الراء، و درج الكتاب طيّه، يقال: درج الكتاب درجا أى: طواه طيّا، و المراد بها الطرق، أى: ذهبت بقية آثار السلف فى طرق الرياح، و يلزم من ذلك عدم وجودها بالمرة؛ لأن عادة الريح أن تزيل ما مرت به فى طريقها، فعبر بالملزوم و أراد اللازم؛ و على هذا فالأدراج منصوبة على الظرفية، و يصح أن يراد بالأدراج الأحوال، و حال الرياح طيرانها و ذهابها بسرعة؛ و على هذا فأدراج نصب على الحال على حذف مضاف، أى: طارت بقية آثار السلف