حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٣٢٦
إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَ اللَّهُ يَشْهَدُ (إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ) [١] فإنه تعالى جعلهم كاذبين فى قولهم:
[إنك لرسول اللّه] لعدم مطابقته لاعتقادهم و إن كان مطابقا للواقع ...
[ظرا] [٢] لما يؤول إليه من التصديق الحاصل من حمل التعريف على المعرف إذ كأنه قيل الصدق موضوع لمطابقة الخبر للاعتقاد. كذا ذكر أرباب الحواشى، و قال عبد الحكيم:
إن الدليل الذى تمسك به النظام على الحكم الذى يتضمنه التعريف و هو أنه صحيح (قوله: وَ اللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ) الظاهر أن هذا ليس من كلامهم، بل من كلام المولى قدم احتراسا، إذ لو قيل: قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَ اللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ لتوهم أن قولهم هذا كذب غير مطابق للواقع، فوسط بينهما قوله: و اللّه يعلم إنك لرسوله ليحبط ذلك الإيهام قوله: وَ اللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ أى: يعلم ذلك و عبر عن العلم بالشهادة مشاكلة.
(قوله: فإنه تعالى إلخ) هذا توجيه لكون الآية دليلا، و حاصله أن المولى وصف المنافقين بأنهم كاذبون فى قولهم: إنك لرسول اللّه، مع أن نسبة ذلك الكلام هو ثبوت الرسالة مطابقة للواقع، لكنها لم تطابق ما فى اعتقادهم من كونه غير رسول اللّه، فدل على أن كذب الخبر عدم مطابقته للاعتقاد، و إذا كان الخبر قد جعل كذبا لعدم مطابقته للاعتقاد مع مطابقته للواقع، فأحرى إذا لم يطابق الواقع و الاعتقاد معا؛ لأنه بالكذب أجدر و إذا تحقق أن الكذب مجرد عدم مطابقة الاعتقاد كان الصدق المقابل له؛ لعدم الواسطة عند هذا الخصم هو تلك المطابقة، فلا يرد أن يقال بعد تسليم أن الكذب ما ذكر لا يلزم منه أن الصدق مطابقة الاعتقاد، بل و لا أن الكذب مجرد عدم مطابقة
[١] المنافقون: ١.
[٢] الظرر الحجر عامة- و قيل الحجر المدور- و الظرير: العلم الذى يهتدى به- و الأظرة من الأعلام التى يهتدى بها- [و انظر لسان العرب ٤/ ٢٧٤٧/ مادة ظ. ر. ر).