حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٤١
على ذلك الكتاب.
و كنت أضرب عن هذا الخطب صفحا، و أطوى دون مرامهم كشحا؛ علما منى ...
(قوله: على ذلك الكتاب) متعلق بمدوا و" على" بمعنى" إلى" و أتى بإشارة البعيد إشارة لبعد مرتبة ذلك الكتاب عنهم، و إنما عبر ب" على" دون" إلى" للطيفة و هى أن" على" تستعمل فعلا ماضيا بمعنى ارتفع، ففى التعبير بها إشارة إلى أنهم حين مدوا الأعناق ارتفع عنهم فلم يصلوا إليه، و يصح الوقف على قوله: (مدوا أعناق المسخ، و الابتداء بقوله: (علا ذلك الكتاب) أى: ارتفع ذلك الكتاب عن مد أعناقهم لأجل مسخهم، فهو تحصين لكتابه. (قوله: و كنت أضرب) الواو للحال، و الضرب يطلق بمعنى الصرف و الإمساك، أى: كنت أمسك نفسي، و أصرفها عن هذا الخطب العظيم، و هو اختصار الشرح، و بمعنى الإعراض أى: أعرض عن هذا الأمر العظيم، فالفعل على الأول متعدّ حذف مفعوله، و على الثانى لازم، و على كل ف" صفحا" مفعول مطلق، و قيل مفعول لأجله. فإن قلت: إن الصفح بمعنى الإعراض، و هو عين الضرب بمعنى الصرف؛ فيلزم تعليل الشىء بنفسه، و هو لا يصح؟ و الجواب: أن العلة أثر الصفح و لازمه، و هو جلب الراحة من القيل و القال اللذين لا يخلو منهما مؤلّف و لو أبدع فى المقال، فيكون من باب إطلاق الملزوم و إرادة اللازم.
(قوله: و أطوى دون مرامهم كشحا) الطىّ ضد النشر، و دون مرامهم بمعنى:
قدام مطلوبهم أى: قبل وصولهم إليه، و الكشح: ما بين أسفل الخاصرة إلى آخر عظم الجنب، فالكشح هو الوسط، و طى الكشح عبارة عن لىّ الجنب، و من لوازمه عدم تبليغ السائل مقصوده، فأطلق هنا و أريد لازمه، و المعنى: و لا أبلغهم مقصودهم من اختصار ذلك الشرح، و يحتمل أن يكون الكلام تمثيلا حيث شبه حاله من الامتناع من الشيء المطلوب بحال من طوى كشحه معرضا عن شخص مثلا، و استعار اللفظ الدال على المشبه به للمشبه.
(قوله: علما منى) علة لقوله: (أضرب و أطوى) على التنازع، و اعترض هذا التعليل بأنهم لم يسألوه أن يكون ما يأتى به من اختصار المطول تستحسنه كل الطباع،