حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٤٢
بأن مستحسن الطباع بأسرها، و مقبول الأسماع عن آخرها، أمر لا تسعه ...
فكيف يجعل عدم القدرة على ذلك علة للامتناع؟ و يجاب بأن فى الكلام حذفا، و الأصل: علما منى بأن الاختصار الذى طلبوه إذا فعلته لا يسلم من طعن الناس فيه، و لا يخلص من اعتراضهم عليه؛ لأن الإتيان بالأمر الذى تستحسنه كل الطباع أمر لا تسعه قدرتى؛ فلذا آثرت الراحة.
(قوله: بأن مستحسن) أى بأن الإتيان بالأمر الذى تستحسنه ذوو الطباع. (قوله:
بأسرها) أى: بجميعها، و الأسر فى الأصل: القيد الذى يشدّ به الأسير، يقال: ذهب الأسير بأسره أى: بقيده، و من لوازم ذلك ذهابه بجميعه، و ذلك اللازم مراد هنا، فقد أطلق اسم الملزوم و هو الأسر، و أريد اللازم و هو الجميع، و هذا تأكيد لما استفيد من (أل) الاستغراقية.
(قوله: و مقبول الأسماع) أى: و لعلمى بأن الإتيان بالأمر الذى تقبله الأسماع، أى: ذوو الأسماع. (قوله: عن آخرها) أى: إلى آخرها أى من أولها إلى آخرها ف" عن" بمعنى" إلى" الغائية، و فى الكلام حذف المبتدأ و هو تأكيد؛ لأن" أل" الاستغراقية فى" الأسماع" تفيد ذلك الشمول، و يصح جعل" عن" باقية على حالها، و هى متعلقة بمحذوف أى: قبولا ناشئا عن آخرها، و إذا نشأ ذلك القبول عن الآخر كان ناشئا عن غيره بالأولى، فاندفع ما يقال: إن نشأة القبول عن آخر الأسماع لا تشمل جميع الأسماع، إذ قد بقى الأول، و ما بين الأول و الآخر و هو الوسط، فلا يصح قوله بعد ذلك: (أمر لا تسعه ...) إلخ، و أجاب عنه بعضهم بجوابين غير ما مر: الأول منهما: أن ذلك التعبير يستلزم عرفا نشأة القبول عن الجميع، باعتبار أنه أسند القبول أولا إلى" الأسماع" المحلى ب (أل) الاستغراقية، ثم قيده بالصدور عن الآخر على سبيل التوكيد؛ دفعا لتوهم عدم الوصول إليه.
و الثانى منهما: أن فى العبارة حذفا، و المعنى: عن آخرها إلى أولها. و فى هذا الجواب الثانى نظر من وجهين: الأول: أن" إلى" للانتهاء؛ فالمناسب دخولها على" آخر" لا على" الأول". الثانى: أن" إلى" إنما تقابل ب" من" لا ب" عن"، و أجيب عن الأول: بأن فى الكلام قلبا، و الأصل: عن أولها إلى آخرها، و عن الثانى: بأن" عن" تأتى بمعنى" من"، قال تعالى: وَ هُوَ الَّذِي