حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ١٠٣
لكونه فى أعلى مراتب البلاغة؛ لاشتماله على الدقائق و الأسرار الخارجة عن طوق البشر. و هذا وسيلة إلى تصديق النبى صلّى اللّه عليه و سلّم، و هو وسيلة إلى الفوز بجميع السعادات فيكون من أجل العلوم؛ لكون معلومه و غايته من أجلّ المعلومات و الغايات.
لكونه فى أعلى مراتب البلاغة) علة لكونه معجزا، و فيه أن القرآن كله ليس فى أعلى مراتب البلاغة؛ لأن بعضه أبلغ من بعض فيكون بعضه فى أعلى مراتب البلاغة و بعضه دونه، و لكن كله فى مرتبة الإعجاز، و ظاهر الشارح خلافه و أن كله فى أعلى مراتب البلاغة، و يجاب: بأن" أعلى" بمعنى" عالى"، و هو يصدق على الأعلى و ما دون الأعلى؛ لأن" عالى" مقول بالتشكيك على سائر مراتب العلو، أو أن" أعلى" باق على حاله، و لكن المراد أنه فى أعلى مراتب البلاغة بالنسبة لغيره من سائر كلام البلغاء، و هذا لا ينافى أن يكون بعضه أعلى من بعض فى البلاغة. (قوله: لاشتماله على الدقائق و الأسرار) هذا علة لكون القرآن فى أعلى مراتب البلاغة، و عطف" الأسرار" على" الدقائق" مرادف، و المراد بهما خواص التراكيب التى تقتضيها الأحوال، ثم إن ما ذكره الشارح من أن إعجاز القرآن لاشتماله على الدقائق و الأسرار التى ليست فى طوق البشر و قدرتهم هو التحقيق عندهم، و قيل: إن إعجازه من جهة صرف و منع قدرة البشر عن الإتيان بمثله، و قيل: لاشتماله على الإخبار عن المغيبات، و قيل: لسلامته عن الاختلاف و التناقض، و قيل: لمخالفته لكلام العرب من الرسائل و الخطب و الأشعار فى الأسلوب، و لا سيما فى المطالع و المقاطع. (قوله: و هذا) أى: معرفة إعجاز القرآن وسيلة. (قوله: و هو) أى:
تصديق النبى وسيلة إلى الفوز بجميع السعادات، أى الدنيوية و الأخروية. (قوله: لكون معلومه) أى: ما يعلم من هذا العلم و هو كون القرآن معجزا، و قوله: و" غايته" أى: و هى الفوز بالسعادات، و فى الكلام حذف، أى: و جلالة العلم بجلالة معلومه و غايته، و بهذا تم التعليل، و بما ذكرنا من أن المراد بمعلوم العلم ما يعلم منه اندفع ما يقال: إن معلوم العلم عبارة عن قواعده الكلية، ككل حكم منكر يجب توكيده، و كل فاعل مرفوع، و حينئذ فيلزم تعليل الشيء بنفسه؛ لأن العلم نفس القواعد الكلية التى هى معلومات الفن، و حاصل الجواب: أن مراده بمعلوم هذا العلم ما يعلم منه، و لا شك أن إعجاز القرآن يعلم