حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٣٨٩
و هذا الحكم مما ينكره كثير من المخاطبين، لكن نزل إنكارهم منزلة عدمه لما معهم من الدلائل الدالة على أنه ليس مما ينبغى أن يرتاب فيه، و الأحسن أن يقال: إنه ...
(قوله: و هذا الحكم) أى: كون القرآن ليس مظنة للريب (قوله: مما ينكره كثير إلخ) أى:
فالإنكار إنما هو لكونه ليس مما ينبغى أن يرتاب فيه لا لنفى الريب عنه و اعترض بأن المخاطب بالآية النبى و أصحابه و لا ينكر هذا الحكم أحد منهم، فقول الشارح مما ينكره كثير من المخاطبين- لا يسلم، و أجيب بأن المراد بالمخاطب هنا من يلاحظ حاله و تفهيمه للكلام أعنى: مطلق السامع بدليل أن المقصود من الآية تعبير الكفار باعتبار إنكارهم لهذا الحكم و ليس المراد بالمخاطب من يلقى إليه الكلام خاصة و إذا كان المراد بالمخاطبين مطلق السامعين كان شاملا للكفار و الكثير من السامعين المنكر لهذا الحكم هم الكفار (قوله:
لكن نزل إنكارهم إلخ) أى: فلذلك ألقى الخبر غير مؤكدا، و كان المناسب لأصل المبحث أعنى: تنزيل المنكر منزلة غيره أن يقول: لكن نزل المنكر منزلة غير المنكر، و إن كان لا يلزم من تنزيل إنكارهم منزلة عدمه تنزيل المنكر كغيره (قوله: لما معهم إلخ) و هو أنه كلام معجز أتى به من دل على نبوته بالمعجزات الباهرة، فإن قلت تفسير ما معهم بما ذكر يقتضى أن ما معهم عبارة عن الدليل المصطلح عليه عند المناطقة، و هو يخالف ما مر من أن المراد به الأصولى- قلت: المراد أن إعجازه دليل و كون من أتى به صادقا مصدوقا بالمعجزات دليل آخر مستقل على كونه من عند اللّه و ليس المجموع دليلا واحدا حتى يرد ما ذكر (قوله: و الأحسن أن يقال إلخ) اعلم أن حاصل الأول أن المنفى ليس نفس الريب، بل كون القرآن محلا للريب و مظنة له خطابا لمنكرى ذلك، و حاصل الثانى أن المنفى نفس الريب على سبيل الاستغراق من غير مخاطبة، و كان هذا أحسن لوجهين.
الأول: أن جعله مثالا لا بد فيه من التأويل الذى قاله الشارح حتى يصح التمثيل بخلاف جعله تنظيرا، فإنه لا يحتاج للتأويل الذى صح الوجه الأول به و لا لغيره و ما لا يحتاج أحسن مما يحتاج. ثانيهما: أنه على تقدير تأويله بما يصحح جعله مثالا لتنزيل المنكر منزلة غيره ينافيه، أو يعكر عليه قوله: بعد و هكذا اعتبارات النفى فإنه يدل على أنه لم يمثل فيما تقدم بالنفى، و أن ما تقدم متمحض للإثبات، و قد يجاب عن هذا بأن المراد، و هكذا باقى اعتبارات النفى- فتأمل.