حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٣٩
و تقاعدت عزائمهم عن اكتشاف «*» خبيئات أسراره،
الطلوع أى الإدراك، فضلا عن طلوعهم و إدراكهم بالفعل، و الإضافة فى" طوالع أنواره" من إضافة الصفة للموصوف، أى: أنواره الطالعة بمعنى الظاهرة، و المراد بأنوار الشرح معانيه، استعار لها لفظ الأنوار استعارة مصرحة، و الطوالع ترشيح، و يصح أن تكون الطوالع استعارة لمعانى الشرح، و الأنوار استعارة لألفاظه، أى: عن إدراك معانى ألفاظه؛ و حينئذ فالإضافة من إضافة المدلول للدال، ثم إن كون معانيه طالعة و ظاهرة بالنسبة لما عند الشارح أو بالنسبة لما فى الواقع، فلا ينافى أنها بالنسبة لهم فى غاية الدقة فتحتاج إلى استطلاع.
(قوله: و تقاعدت) يقال فيه ما قيل فى" تقاصرت"، و يقال فى السين و التاء فى" استكشاف" ما مر فيهما فى" استطلاع"، و الكشف هو الإظهار.
(قوله: خبيئات أسراره) الإضافة فيه من إضافة الصفة للموصوف، أى أسراره المخبّآت، أى التى شأنها أن تخبأ لعاقبة الدهر؛ لعظمها و لشرفها، و الأسرار جمع سر و هو ضد الجهر، و المراد بها هنا النكات، فشبه نكات المطول و معانيه الشديدة الصعوبة بالأسرار، و الجامع الاحتياج لزيادة الاهتمام فى كل، و استعيرت الأسرار للنكات المذكورة استعارة تصريحية. و يحتمل أن تكون الإضافة حقيقية بأن أريد بالأسرار مطلق الأسرار، و أراد بالخبيئات أشرف الأسرار أى: أدقها، و المعنى: عن إظهار أدق الأسرار أى أدق الدقائق. ثم إن هذه السجعة متعلقة بالمعانى الشديدة الصعوبة و الدقة، و ما قبلها بالدقة الصعبة فقط، فلا يقال: إن هذه عين ما قبلها، لكن قد يقال: إن الأولى الاقتصار على السجعة الأولى و حذف الثانية؛ لأنه إذا تقاصرت هممهم و عجزت عن المعانى الصعبة فقصورها عن الشديدة الصعوبة بالطريق الأولى، إلا أن يقال: أتى بهذه الثانية؛ دفعا لما يتوهم أن هممهم و إن تقاصرت عن درك المعانى الصعبة لم تتقاصر عن إدراك شديدة الصعوبة؛ لكون هممهم عليّة. ثم لا يخفى حسن التعبير هنا ب" تقاعدت"، و فيما مر ب" تقاصرت"؛ و ذلك لأنّ طوالع الأنوار شأنها العلو فيناسبها التعبير بالتقاصر، و شأن خبيئات الأسرار الانخفاض فيناسبها التعبير بالتقاعد.
(*) كذا في (المطبوع)، و في شرح الدسوقي- كما يأتي-: (استكشاف)، و عليه جرى كلامه في الشرح، فلعل ذلك في نسخة خاصة به.