حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٢٠٣
و أوطنها على مقاساة الأحزان و الأشواق، و أتجرع غصصها، و أتحمل لأجلها حزنا يفيض الدموع من عينى لأتسبب بذلك إلى وصل يدوم، و مسرة لا تزول فإن الصبر مفتاح الفرج و لكل بداية نهاية ...
عن بعض معناها شائع عندهم، و لا يقال: إن الظاهر من كلام الشارح جعل طلب البعد مجازا عن طيب النفس به اللازم له، و جعل سكب الدموع مجازا عن سببه و هو الحزن؛ لأنا نقول: بل مرده تقرير معنى البيت و بيان سبب السكب، و لا حاجة إلى ارتكاب التجوز. و أطيب يصح أن يكون بالتخفيف من طاب بدليل تنكير نفسا على التمييز، إذ لو كان بالتشديد لقال: نفسى بالنصب على المفعولية، و يصح أن يكون بالتشديد من طيب بدليل عطف و أوطنها عليه، لكن الأول أحسن؛ لأن الثانى يوهم أن المراد تطييب النفس، و لو غير نفس المتكلم كما يؤخذ من التنكير و مراعاة جانب المعنى أولى.
(قوله: و أوطنها) أى: أصبرها على مقاساة إلخ: هذا راجع إلى قوله و تسكب عيناى الدموع: بيان لحاصل معناه، و قوله إلى وصل يدوم: راجع لقوله: لتقربوا، و قوله و مسرة إلخ: راجع لقوله لتجمدا: بيان للمعنى المراد منه (قوله: و الأشواق) أخذ الأشواق بطريق اللازم؛ لأنه يلزم من الحزن على بعد الحبيب الاشتياق إليه. (قوله:
و أتجرع غصصها) أى: الأشواق و فيه استعارة بالكناية و تخييل، حيث شبه الأشواق بمشروب مر و التجرع تخييل (قوله: لأجلها) علة للتحمل أى: و أتحمل لأجل تلك الأشواق حزنا فالضمير للأشواق، أو راجع للنفس على حذف مضاف أى: و أتحمل حزنا لأجل راحة نفسى، و لا يصح رجوعه للأحزان لما فيه من الركة.
(قوله: يفيض) أى: ذلك الحزن الدموع، و فيه أنه قد جعل الحزن سببا فى سكب الدموع، و هذا ينافى ما تقدم له من أن سكب الدموع كناية عن الحزن، فإن مقتضى ذلك أن سكب الدموع ملزوم و الحزن لازم، و اللازم مسبب لا سبب، إلا أن يقال: إنهما متلازمان لزوما مساويا، فكل منهما لازم للآخر، فيصح فى كل أن يعتبر لازما أو ملزوما و سببا أو مسببا (قوله: فإن الصبر إلخ) التفت الشارح لذلك لا لكون الزمان و الإخوان من عادتهم معاملة الإنسان بنقيض مطلوبه.