حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٣٣٧
و قد اقتصر فى التفسيرين السابقين على أحدهما (بدليل أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً ...
كأن يخبر شخص بأن السماء تحتنا غير معتقد ذلك فبين الواقع و الاعتقاد هنا موافقة، و اعتقاده عدم المطابقة يستلزم عدم مطابقة الخبر للاعتقاد و هو ظاهر.
و الثاني: كأن يخبر الفلسفى بأن العالم حادث غير معتقد ذلك فبين الواقع و الاعتقاد هنا مخالفة، و اعتقاده عدم المطابقة يستلزم عدم مطابقة الخبر للاعتقاد أيضا، فظهر لك من هذا أن اعتقاد المطابقة يستلزم مطابقة الخبر للاعتقاد، و كذا اعتقاد عدم المطابقة يستلزم عدم المطابقة للاعتقاد أيضا، فظهر لك من هذا أن اعتقاد المطابقة يستلزم مطابقة الخبر للاعتقاد، و كذا اعتقاد عدم المطابقة يستلزم عدم المطابقة للاعتقاد سواء كان بين الواقع و الاعتقاد مطابقة أو لا، و حينئذ فلا وجه لقول الشارح ضرورة توافق و الاعتقاد المقتضى توقف الاستلزام على التوافق.
و أجيب بأن التعليل الذى ذكره الشارح إنما هو بالنظر لما نحن بصدده و هو صورة الصدق عند الجاحظ، و الخبر فيها مطابق للواقع إذ لا بد فى الصدق من المطابقة للواقع عنده، و لا شك أنه إذا اعتقد المطابقة فى تلك الحالة كان الاعتقاد مطابقا للواقع، و هذا لا ينافى أن استلزام اعتقاد المطابقة الاعتقاد حاصل مطلقا أى: كان بين الواقع و الاعتقاد موافقة أو مخالفة بقطع النظر عما نحن بصدده (قوله: و قد اختصر إلخ) عطف على قول اعتبر إلخ، و أن الجملة حال من ضمير اعتبر (قوله: على أحدهما) فالجمهور اقتصروا فى تفسيرهم على اعتبار المطابقة للواقع، و النظام اقتصر فى تفسيره على اعتبار المطابقة للاعتقاد، و حينئذ فقد ظهرت الأخصية؛ لأن الأخص ما كان أزيد قيدا (قوله:
بدليل أفترى) الإضافة بيانية و هو متعلق بحال محذوفه أى: الجاحظ أنكر انحصار إلخ، مستدلا بدليل هو قوله: أفترى، و أصله: أأفترى، مثل: أأشترى بهمزتين، الأولى استفهامية و الثانية للوصل، فحذفت الثانية استغناء عنها بهمزة الاستفهام، و معنى أفترى:
أكذب، فقوله كذبا مفعول مطلق، و عامله من معناه و هو أفترى، أو من لفظه محذوفا أى: و كذب كذبا.