حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٤٠٥
..........
و اعلم أن المجاز العقلى عند الشيخ عبد القاهر تارة يكون له حقيقة أى: فاعل يكون الإسناد له حقيقة نحو: أنبت الربيع البقل، فإن حقيقة: أنبت اللّه البقل، و تارة لا يكون له حقيقة أى: فاعل حقيقى نحو: أقدمنى بلدك حق لى على فلان، فالإقدام ليس له فاعل حقيقى بكون الإسناد له حقيقة، إذ هو أمر اعتبارى بخلاف قدم اللازم، فإن له فاعلا حقيقا؛ لأن القدوم أمر موجود فلا بد له من موجد، تقول: قدمت بلدك لأجل حق لى على فلان، فقول الشارح من الحقيقة إشارة للقسم الأول و هو بيان لما يئول، و فاعل يؤول ضمير يعود إلى الإسناد أى: طلب الحقيقة و ملاحظتها التى يئول أى:
يرجع المجاز إليها، و معنى رجوع المجاز إليها أنه يتفرع عنها بأن ينتقل من الحقيقة إليه بواسطة العلاقة، فهو من رجوع الفرع لأصله، مثلا المؤمن الذى يضيف الإنبات للّه تقف نفسه عن إسناد الإنبات للربيع، و تلتفت إلى حقيقة الكلام و تطلبها، فإذا علمت حقيقة ذلك و أن الأصل: أنبت اللّه البقل بالربيع، و أن الربيع سبب عادى، فإنها تسند الإنبات إليه، و تنصب القرينة على إرادة خلاف الظاهر، و كذلك إذا سمع المؤمن أنبت الربيع البقل، فإنه تقف نفسه و لا ترضى بذلك، فإذا علمت الحقيقة بعد طلبها رضيت بذلك، فقوله تطلب أى: طلب المتكلم أو المخاطب الحقيقة التى يرجع إليها المجاز، و إنما عبر بالتطلب دون الطلب للإشعار بأن الطلب لا يلزم أن يكون واقعا، بل مجرد الالتفات لدلالته على التكلف.
و قوله أو الموضع: إشارة للقسم الثانى و هو عطف على ما، و قوله من العقل:
من فيه للابتداء حال من الموضع، و المعنى أو طلب الموضع الذى يرجع المجاز إليه حال كون ذلك الموضع ناشئا من جهة العقل محضا، و إن لم يكن لذلك الموضع تحقق فى نفس الأمر بأن يكون ذلك الموضع قريبا من لفظ الفعل الذى لا فاعل له حقيقى، و يلاحظ العقل أنه أصل له، كأن يلاحظ العقل أن الإقدام راجع للقدوم و أنه أصل له، و إن لم يكن ذلك ثابتا فى الواقع فمصدوق الموضع فى المثال المذكور قدمت، و توضيح ذلك أن المجاز الذى لا حقيقة له كما في: أقدمنى بلدك حق لى على فلان، إذا سمعت