حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٢٢
..........
الحمد ثناء، و هو عرض يزول بمجرد حصوله، و أجيب بأن هذا دوام و استمرار تخييلى لا تحقيقي، و أما جواب بعضهم بأن الدوام باعتبار الثواب، ففيه نظر؛ لأن الدوام المدلول للجملة متعلق بمضمونها لا بالثواب، فهو غير منظور له.
و النون فى قوله: (نحمدك) يحتمل أن تكون للمعظّم نفسه، و أتى بها مع أنها تدل على العظمة المنافية لمقام التأليف، و هو الذل و الانكسار؛ إظهارا لملزومها، و هو تعظيم اللّه له، فهو من باب التحدث بالنعمة الذى هو أولى من سلوك التواضع عند الفقهاء و المحدّثين، و يحتمل أنها للمتكلم و معه غيره، و المراد بالغير إخوانه الحامدون أو العلماء و أدخلهم معه فى الحمد؛ إما لكون أمر الحمد عظيما لا يقوم به الشخص الواحد، فاستعان بهم عليه، و مع ذلك لم يقوموا بحقه، و إما لتعود بركة الحمد عليهم؛ شفقة منه عليهم، كما تقرأ شيئا و تهدى ثوابه إلى والديك، فإنه يحصل لك و لهم الثواب. غاية الأمر أنه نزل الشركة فى الحمد منزلة الشركة فى الثواب إقامة للسبب مقام المسبّب. و يحتمل أن المراد بالغير أجزاء ذاته، فكأنه جعل كلّ جارحة بمنزلة شخص مستقل ادعاء، لكن لا يخفى أن من جملة كل جزء موارد الحمد الثلاثة: اللسان، و الجنان، و الأركان، و من المعلوم أن إسناد الفعل لآلته مجاز، و لفاعله حقيقة، فيكون إسناد الحمد للمتكلم حقيقة، و إلى الموارد الثلاثة المذكورة مجازا، فيلزم على ذلك الجمع بين الحقيقة و المجاز، كما يقال باعتبار ذلك: يقطع، باعتبار إسناد القطع إلى القاطع و إلى آلته، و لا بعد فيه على مذهب من جوز الجمع بين الحقيقة و المجاز، و هذا ظاهر على جعل الجملة خبرية، فإن جعلت إنشائية فى المعنى تعين أن تكون النون للعظمة؛ لأن إنشاء الحمد بهذه الجملة لم يقع إلا من المصنف، فلا يتأتى أن تكون لإنشاء الحمد منه و من غيره إلا على سبيل التنزيل.
و اعلم أنه إذا جعلت الجملة خبرية لفظا و معنى، حصل بها الحمد ضمنا فى ابتداء التأليف؛ لأن الإخبار عن حمد يقع منه يستلزم أنّ ذلك المحمود أهل لأن يحمد، و هذا ليس تلزم اتصافه بالجميل الذى هو حقيقة الحمد، أو يقال: هو إخبار عن حمد واقع