حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٣٥٥
و كونه مقصودا للمخبر بخبره لا يستلزم تحققه فى الواقع؛ ...
و الانتزاع، هذا إنما يظهر على القول بأن مدلول الخبر النسبة لا الإذعان بها، و هذا خلاف ما عليه الأكثر، إذ الذى عليه الأكثر كالإمام الرازى و ابن السبكى [١] و العلامة السيد و غيرهم: أن مدلول الخبر إذعان النسبة أعنى: الإيقاع و الانتزاع، قلت: أجاب العلامة عبد الحكيم: بأن الإيقاع و الانتزاع و إن كان مدلولا للخبر على قول الأكثر إلا أنه ليس مقصودا بالإفادة، بل وسيلة لما قصد إفادته بالخبر و هو وقوع النسبة أو لا وقوعها؛ و ذلك لأن المخاطب يستفيد الإيقاع و الانتزاع من الخبر، ثم ينتقل منه إلى متعلقه الذى هو المقصود بالإعلام و هو وقوع النسبة أو لا وقوعها، و يدل لذلك ما هو الحق عندهم من أن الألفاظ لا دلالة لها فى نفسها على ما فى الخارج، بل دلالتها على الصور الذهنية أولا، و بالذات و بواسطتها على ما فى الخارج لما بينهما من الارتباط، فظهر لك أن كون الخبر مدلوله الإيقاع و الانتزاع لا ينافى أن المقصود بالإعلام إفادة وقوع النسبة أو لا وقوعها فتأمل ذلك.
(قوله: و كونه) أى: الحكم بمعنى وقوع النسبة أو لا وقوعها مقصود للمخبر بخبره إلخ) و هذا توطئة لقوله: و هذا مراد إلخ (قوله: لا يستلزم) أى: ذلك الكون تحققه أو ثبوته فى الواقع و ضمير تحققه للحكم بمعنى النسبة، و حاصله أن قصد المخبر بخبره إفادة وقوع النسبة أى: كون النسبة واقعة لا يستلزم تحقيقها فى الواقع؛ لأن دلالة الألفاظ على معانيها وضعية يجوز تخلفها و ليست عقلية تقتضى استلزام الدليل للمدلول استلزاما عقليا: كدلالة الأثر على المؤثر، فإذا قلت: زيد قائم دل على ثبوت القيام لزيد فى الواقع، و دلالته على ذلك لا تستلزم أن يكون ثبوت القيام متحققا فى الواقع لجواز أن يكون الخبر كذبا (قوله: و هذا) أى: كونه لا يستلزم تحققه فى الواقع.
[١] هو أبو حامد أحمد بن على بن عبد الكافى بهاء الدين السبكى، فاضل، له" عروس الأفراح شرح تلخيص المفتاح" ولى قضاء العسكر و قبله قضاء الشام و كثرت رحلاته و مات مجاورا بمكة سنة ٧٦٣ ه. (و انظر الأعلام للزركلى ١/ ١٧٦).