حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٢٦
من مطالع المثانى، ...
الصدور، و التبيان فى جانب تنوير القلوب؛ لأن التبيان أبلغ من البيان؛ لأن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى غالبا، فهو بيان مع برهان، و قيل: مع كد خاطر و إعمال قلب، و تنوير القلب أقوى من شرح الصدر؛ لأن تنوير القلب إدخال النور فيه، و شرحه فتحه، و الأبلغ أولى بالأقوى، و إنما قدم شرح الصدور على تنويرها؛ لأنه وسيلة له، و الوسيلة مقدّمة على المقصد، و هذا كله بحسب الأصل، و إلا فالمراد بشرح الصدور، و تنوير القلوب واحد، و يدل له ما قالوه فى قوله تعالى: أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ [١] أى: قذف فى قلبه نورا ينتفع به، فإنّ هذا يدل لما قلنا من أن شرح الصدر عبارة عن تنويره، و حينئذ ففى العبارة تفنن، أى: ارتكاب فنين و نوعين من التعبير، كذا قال بعضهم.
(قوله: من مطالع المثانى) حال من التبيان، أو صفة له؛ لأن الجار و المجرور الواقع بعد المعرف ب (أل) الجنسية يجوز فيه الأمران، و" من" للسببية، و هذا ترشيح للتشبيه على الاحتمال الأول، و المعنى: و نور قلوبنا بالتبيان الشبيه باللوامع كائنا ذلك التبيان أو الكائن بسبب تدبر مطالع المثاني، و على الاحتمال الثانى يكون الجار و المجرور حالا أو صفة للوامع ترشيحا للاستعارة، و المعنى: و نور قلوبنا بمعانى التبيان حالة كونها ناشئة من مطالع المثاني، ف" من" للابتداء، و على هذا فمعانى التبيان معان أخر غير معانى القرآن استفيدت من ممارسته.
و المثانى- بالثاء المثلثة، كما بالنسخة التى صححها الشارح-: القرآن؛ لأن الأحكام و القصص فيه ثنّيت أى كرّرت، أو لتكرر نزوله، و هو جمع مثنى كمفعل اسم مكان، أو مثنّى بالتشديد من التثنية على غير قياس، (و المطالع) جمع مطلع و هو فى الأصل اسم لمحل طلوع الكواكب و المراد به هنا ألفاظ القرآن، فشبهت ألفاظ القرآن بمحلّ طلوع الكواكب بجامع أن كلّا محل لطلوع ما يهتدى به، و استعير اسم المشبه به للمشبه على طريق الاستعارة التصريحية، و إضافة مطالع للمثانى على هذا من إضافة الأجزاء للكل أو بيانية، و يحتمل أن إضافة مطالع للمثانى من إضافة المشبه به للمشبه
[١] الزمر: ٢٢.