حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٢١
..........
أظهر من الشكر بغير اللسان فى أداء المقصود؛ لخفاء الاعتقاد، و احتمال عمل الجوارح لغير الحمد، فهو أظهر أنواعه؛ و لذلك روى:" ما شكر اللّه عبد لم يحمده" [١] أى: ما أظهر نعمته كل الإظهار و كشف عنها عبد لم يثن عليه باللفظ، و إن اعتقد و عمل، فالمراد بالشكر فى الحديث إظهار النعمة، و لا يرد أن زيادة النعم مترتبة على الشكر لقوله تعالى: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [٢]؛ لأنه ليس المراد بالشكر المقتضى لزيادة النعم فى الآية خصوص الشكر اللفظى، أعنى الشكر بخصوص لفظه، بل الشكر العرفى الشامل للثناء بغير لفظه، و خدمة الأركان، و اعتقاد الجنان فى مقابلة النعمة، و اختارها على مادة المدح للأمرين الأولين، و تنبيها على أنه تعالى فاعل مختار. و اختار الجملة الفعلية المضارعية على الاسمية و الماضوية؛ لإفادتها؛ لتجدد مضمونها على سبيل الدوام و الاستمرار؛ ليناسب الحمد المحمود عليه هنا، و هو نعمة شرح الصدور للتخليص المذكور، و تنوير القلوب، المتجدد ذلك وقتا بعد وقت، بخلاف الماضوية؛ فإنها إنما تدل على الحدوث فقط، و الاسمية تدل على الدوام فقط، فلا يناسبان المحمود عليه هنا، و أيضا المضارعية تدل على الأمرين معا، أعنى الحدوث الذى تدل عليه الماضوية، و على الاستمرار الدالة عليه الاسمية، و حينئذ فهى أشرف منهما، كذا قيل. و لكن اعترض بأن الاستمرار من وظائف الاسمية فقط- كما يأتى- إلا أن يقال: إن الذى تدل عليه الاسمية الاستمرار مجردا عن التجدد، و الذى تدل عليه الجملة المضارعية الاستمرار مع التجدد.
و لما رأى بعض الأشياخ هذا الإشكال، قرر أن الجملة الفعلية المضارعية تدل على الاستمرار من حيث القرائن، و فيه أن الماضى كذلك يدل عليه بواسطة القرينة، اللهم إلا أن يقال: قوة دلالة الماضى على الانقطاع تعارض القرينة، فلم يعتبر فيه ذلك.
بقى شىء آخر، و هو أن الاستمرار التجددى لمضمون الجملة هنا محال؛ لأن
[١] أورده صاحب الدر المنثور ١/ ٣٤.
[٢] إبراهيم: ٧.