حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٢١١
(و فيه نظر) لأن كلا من كثرة التكرار، و تتابع الإضافات إن ثقل اللفظ بسببه على اللسان فقد حصل الاحتراز عنه بالتنافر، و إلا فلا يخل بالفصاحة؛ ...
صوت المحبوبة فلا يحسن فى نظر العقل طلب تصويتها؛ لأنه يفوت سماعها، بل اللائق طلب الإصغاء، فكان الواجب على الشاعر أن يقول: اسمعى أو اسكتى أو انصتى، فقبلت الشهادتان، فإن قلت: شهادة العقل لا تقبل إلا لو كان الغرض بسجعها سماع تصويتها، و يمكن أن يكون الغرض بسجعها إظهار نشاطها و طربها برؤية المحبوبة و سماع كلامها كما يحصل للبلابل عند رؤية الأزهار و سماع الأوتار: فهى شهادة مجروحة.
و قد وجد فى البيت ما يدل على أن الغرض من التصويت ما ذكر، و هو ضم الرؤية إلى السماع و جعلهما من أسباب الأمر بالتصويت أيضا، و لا شك أن الرؤية لسعاد لا تصلح سببا لسجع الحمامة، و إنما تصلح سببا لظهور النشاط، فالعقل شاهد عليه لا له، و المعنى: اسجعى أيتها الحمامة، فإن الدواعى للنشاط و الطرب موجودة، و هى مشاهدة تلك المحبوبة- التى تفوق الأزهار فى النضارة، و سماع صوتها الذى يعلو على صوت الأوتار، و أجيب بأن معنى شهادة العقل بفساده أنه يحكم بفساد توجيه مخالف للنقل، و عنه مندوحة على أن ضم الرؤية إلى السماع يصلح؛ لأن يكون سببا فى الأمر بسجع الحمامة لأجل سماع صوتها؛ لأن السماع مع الرؤية ألذ و أتم من السماع بدون الرؤية- فقول المعترض و قد وجد فى البيت إلخ، ممنوع- تأمل. (و قوله: و فيه نظر إلخ) حاصله أن ذلك القائل يدعى أن كثرة التكرار و تتابع الإضافات مخل بالفصاحة مطلقا، فلا بد من الخلوص منها.
و حاصل الرد عليه: أنا لا نسلم ذلك الإطلاق، بل الحق تقدم أن تنافر الكلمات عبارة عن كونها ثقيلة على اللسان عند اجتماعها، و إن كانت فصيحة، و إن لم يحصل للفظ ثقل بسببهما فلا يخلان بالفصاحة، و ذلك لأن إخلالهما إنما هو من جهة ما يحصل بهما من الثقل، فإذا انتفى ذلك انتفى الإخلال؛ لأنه يلزم من نفى السبب المساوى نفى المسبب، و حيث كانا لا يخلان فلا يصح الاحتراز عنهما.