حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٥٥
حضرة من أنام الأنام فى ظل الأمان، و أفاض عليهم سجال العدل و الإحسان، ...
استعيرت هنا للملك الموصوف بالأوصاف الآتية بجامع أن كلا منهما مكان لحصول المآرب، فالمعنى تلقاء ملك شبيه بمدين بجامع أن كلّا منهما مكان لحصول المقاصد، و اعترض بأن مدين علم، و الأعلام لا تصح استعارتها. قلنا: استعارتها للملك بعد تأويلها بكل و هو موضع اجتماع المطالب كما قالوه فى حاتم و لا يخفى ما فى قوله" بأن توجهت ... إلخ" من التلميح لقصة موسى مع شعيب حيث توجه له موسى ناحية مدين و حصل له المقصود فيها. (قوله: حضرة) بدل من مدين و الحضرة فى الأصل مكان الحضور أطلقت على الملك نفسه مجازا من باب إطلاق المحل على الحال، و لا شك أن ذات الملك مكان لحصول المآرب و صدورها.
(قوله: من أنام الأنام) أى: الخلق أى جعلهم نائمين. (قوله: فى ظل الأمان) أى: فى الأمان الشبيه بالظل فى الارتياح بكل أو أنه شبّه الأمان ببستان ذى ظل على طريق المكنية و إثبات الظل تخييل، و" أنام" ترشيح أو أنه أطلق الظل و أراد به لازمه و هو الراحة؛ لأنه يقتضيها عادة أى: من صير الخلق نائمين فى راحة الأمان.
(قوله: و أفاض) أى: أنزل بكثرة من أفاض الماء فى الحوض أنزله فيه حتى فاض و نزل من جوانبه استعارة ل" أظهر"، و السجال: جمع سجل اسم للدلو الممتلىء ماء، فإن كان الدلو خاليا عن الماء قيل له: غرب، و إضافة السجال لما بعده من إضافة المشبه به للمشبه أى: و أظهر فيهم العدل و الإحسان الشبيهين بالدلاء الممتلئة بالماء بجامع أن كلّا منهما به حياة النفس؛ لأن الدلو المذكور به حياة النفس من حيث الماء الذى فيه، و كذا العدل و الإحسان بهما حياة النفس الكاملة؛ لأن الناس عند كثرة الظلم يكونون فى حكم الأموات، و إن كانوا أحياء، و" أفاض" ترشيح للتشبيه مستعار ل" أظهر" كما علمت، أو أنه شبه العدل و الإحسان بماء بجامع الإحياء تشبيها مضمرا فى النفس على طريق الاستعارة بالكناية، و" السجال" تخييل أو أنه شبه حال الملك مع رعيته فى كثرة عدله و إحسانه إليهم بحال السجل المفاض ماء ليرتوى به، و استعمل المركب الدال على الثانى