حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٥١٨
و كأن المعنى: خادعته عن نفسه ...
و المراد بها هنا المخادعة، و هو أن يحتال كل من شخصين على صاحبه فى أخذ ما بيده يريد أن يغلبه و يأخذه منه، و حينئذ فيكون التركيب من قبيل الاستعارة التمثيلية بأن شبه هيئة المخادع بهيئة الذى يجىء و يذهب، و استعيرت المراودة الموضوعة لحال الذى يجىء و يذهب لحال المخادع و وجه الشبه بين المراودة و المخادعة أن كلا منهما هيئة منتزعة من عدة أمور، أو من قبيل التبعية بأن شبهت المخادعة بالمجىء و الذهاب بجامع التردد فى كل، و استعيرت المراودة الموضوعة للمجىء و الذهاب للمخادعة، و اشتق من المراودة راودت بمعنى خادعت، ثم بعد هذا كله فالمخادعة ليست باقية على عمومها، بل المراد المخادعة على خصوص الجماع، و الحاصل أن المراودة فى الأصل بمعنى المجىء و الذهاب، فأريد منها المخادعة و هى مطلقة، و المراد منها مخادعة خاصة، أو أن المراودة صارت حقيقة عرفية فى المخادعة و إلى هذا أشار الشارح بقوله، و كأن المعنى أى: المراد أو العرفى، و ليس المراد و كأن المعنى الحقيقى، ثم إنه ورد سؤال حاصله أنه إذا كان المراد بالمراودة المخادعة فيقتضى وقوع الطلب من كل منهما؛ لأن المفاعلة تقتضى وقوع الطلب من كل منهما، و يوسف- عليه السّلام- معصوم لا يقع منه طلب ذلك الأمر و أجاب عنه الشارح بقوله: و فعلت فعل المخادع أى المحتال، و حاصله أن المفاعلة هنا ليست على بابها بل المراد بها أصل الفعل، و إنما عبر بالمفاعلة للدلالة على المبالغة فى طلبها منه و اختلافهما، و يجوز أن تكون المفاعلة على بابها، و أن الطلب حصل من كل منهما، و إن اختلفت جهته فطلبها للوقاع و طلبه للمنع، كما فسر به قوله تعالى:
وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِها [١] أى: همت به فعلا و هم بها تركا، ثم إنه ورد سؤال حاصله: حيث كان المراد بالمراودة المخادعة فما حقيقة المخادعة؟ فأجاب الشارح بأنها أن يحتال عليه، هذا حاصل تقرير كلام الشارح- كذا قرر شيخنا العدوى.
(قوله: و كأن المعنى إلخ) إنما لم يحزم بذلك؛ لأنه لا قدرة له على القطع بأن هذا مراد اللّه، فالأدب الإتيان بالعبارة المفيدة للظن، و قوله خادعته عن نفسه عن بمعنى: لام
[١] يوسف: ٢٤.