حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٥١
و ترامى البلاد بى و الأقطار، و نبوّ الأوطان عنى و الأوطار، حتى طفقت أجوب كل أغبر قاتم الأرجاء، و أحرر كل سطر منه فى شطر من الغبراء ...
العاصفة المزيلة للهب النار، كما أن النكبات مزيلة لانتشار الفطنة فى المدارك، و لا يخفى ما فى جميع هذه الألفاظ- أى الجمود و الصر و الخمود و الصرصر- من اللطافة؛ لما فيه من مراعاة النظير، و هو الجمع بين الشىء و ما يناسبه لا بالتضاد؛ لأن البرد يناسبه الجمود؛ لأن به يحصل جمود الماء، و الريح العاصفة تناسب الخمود؛ لأنها لشدتها تذهب النار، و فى إضافة الجمود إلى القريحة و الخمود إلى الفطنة، المفضية إلى تشبيه طبيعته العقلية بالماء، إشارة إلى جودتها و اعتدالها بأخذها طرفى الحرارة و البرودة، و لا يرد أن المقام للتّشكّى، و هو لا يكون بما يحمد؛ لأن الجودة باعتبار الأصل، و التشكى باعتبار ما عرض من الجمود و الخمود. (قوله: و ترامى البلدان) أى: و مع ترامى- أى رمى- كل بلدة بى الأخرى، و رمى البلد له: طرده إياه، و هو كناية عن تكدر خاطره فى ضيق المعاش، و عدم استقراره فى محل؛ لتلبسه بالأسفار، فهو لعدم وجود راحته فى تلك البلاد الخارج منها صار كأن كل بلدة تطرده للأخرى، و فى الكلام استعارة بالكناية حيث شبه البلدان و الأقطار بعقلاء على طريق الاستعارة بالكناية، و إثبات الترامى تخييل، أو فى الكلام حذف مضاف، أى: ترامى أهل البلدان، و الأقطار جمع قطر، و هو مجموع بلاد كثيرة، و لما كان لا يلزم من ترامى البلاد له ترامى الأقطار عطف الأقطار على البلدان.
(قوله: و نبو) أى و مع نبو- أى بعد- الأوطان عنى و الأوطار، أى و مع نبو الأوطار جمع وطر بمعنى الحاجة، و من لوازم ذلك القلق و عدم الفهم. و إنما بعدت أوطانه و أوطاره بسبب سفره المانع من نيلهما عادة. (قوله: حتى طفقت) غاية لنبو الأوطان، و طفقت بمعنى:
جعلت، أى أنه لما بعدت عنى الأوطان انتهى بى الحال إلى أن جعلت أجوب أى: أقطع، و يحتمل أن" حتى" تفريعية على و" ترامى" ... إلخ. (قوله: كل أغبر) أى: كل مكان أغبر أى:
ذى غبرة. (قوله: قاتم الأرجاء) جمع رجا بالقصر بمعنى: الناحية، أى مظلم النواحى بتلك الغبرة. (قوله: و أحرر) أى: أهذب و أخلص. (قوله: كل سطر منه) أى من هذا الشرح المختصر. (قوله: فى شطر من الغبراء) أى: فى قطعة من الأرض، فالتحرير ليس