حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٤٩
و لعنان العناية ...
(قوله: و لعنان العناية) كان الأولى حذف الواو فيكون ثانيا الثانى حالا من فاعل" انتصبت"؛ لعدم ظهور ما يصلح لعطفه عليه؛ لأن" ثانيا" الأول إما صفة لمصدر محذوف أو ظرف، و على كل لا يصلح لعطف" ثانيا" الثانى عليه؛ لأن عطفه عليه يقتضى مشاركته له فى إعرابه. و لا يصح جعلها واو الحال؛ لأن الواو الحالية لا تدخل إلا على الجملة، و لا تدخل على المفرد، و قد يجاب: بأنه يمكن عطف" ثانيا" الثانى على الأول، و جعل" ثانيا" الثانى صفة للمصدر المحذوف كالأول لكن على سبيل الإسناد المجازى؛ لأن" ثانيا" الثانى بمعنى صارفا و مرجعا، و حق السرف و الترجيع أن يسند للشخص فأسند لصفته، و هو الانتصاب، على حد: جدّ جده. و لك أن تجعل" ثانيا" الأول أيضا حالا من فاعل" انتصبت" أى: انتصبت فى حال كونى جاعلا و مصيرا للشرح ثانيا، و قوله:" ثانيا" الثانى فى حال أخرى معطوفة على الأولى مبينة لمجيئها حالا، و أورد على هذا أن الحال وصف مشتق و ثان الذى من أسماء العدد ليس بمشتق، و أجيب: بأن" ثانيا" المذكور إذا كان بمعنى التصيير كان اسم فاعل حقيقة له فعل و مصدر، تقول: ثنيته ثنيا أى: صيرته اثنين بانضمامى إليه، لكن فى تعدية" ثان" الأول إلى الشرح على وجه المفعولية مجاز مرسل لعلاقة الإطلاق و التقييد؛ لأنه إنما يقال: ثناه بمعنى جعله بنفسه ثانيا لا جعل له شيئا غيره ثانيا، و يقال: ثنيته بمعنى صرت أنا له ثانيا، فهو موضوع لتصيير مقيد بجعل ذات الفاعل ثانية، ثم أطلق عن ذلك التقييد، ثم نقل إلى تصيير مقيد بجعل ذات المفعول ثانية، أو استعارة تبعية بأن شبه تصيير الشارح غيره ثانيا بتصييره نفسه ثانيا، بجامع ترتب الزوجية على كل، و استعير اللفظ الموضوع للثانى- و هو الثنى بنفسه- للأول، و اشتق منه ثانيا على طريق التبع، أو تقدر فى" ثانيا" الأول حالا يعطف عليها" ثانيا" الثانى أى: انتصبت ثانيا مجتهدا و لعنان ... إلخ، أو تجعل فى الكلام فعلا محذوفا معطوفا على" انتصبت" فيكون" ثانيا" الثانى حالا من فاعله أى: و اجتهدت أو شرعت ثانيا لعنان العناية. و العناية هى الهمة أى: الإرادة المصاحبة للتصميم، أو المراد بها الاعتناء و الاهتمام، شبهها بدابة تشبيها مضمرا فى النفس على سبيل المكنية، و إثبات العنان بمعنى المقود تخييل.