حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٤٨
ثم ما زادتهم مدافعتى إلا شغفا و غراما، و ظمأ فى هواجر الطلب و أواما، فانتصبت لشرح الكتاب على وفق مقترحهم ثانيا، ...
الجملتين لم تمنع من العمل المذكور كما هنا، على حد ما ذكروا فى قوله تعالى:
وَ رَبَّكَ فَكَبِّرْ [١]من أن الفاء واقعة فى غير محلها لعدم التوسط و المعمول مقدم لإفادة الاختصاص و لم تمنع الفاء من العمل فى ذلك المعمول.
(قوله: ثم ما زادتهم مدافعتى ... إلخ) عبر بثم لإفادة تراخى زيادة الشغف و الغرام عن ابتداء المدافعة الذى تضمنه قوله: (و كنت أضرب ... إلخ)، و فى التعبير بالمفاعلة إشارة لتكرر السؤال و تكرر الإعراض عنهم، أى: ما زادتهم مدافعتى لهم المرة بعد المرة بتركى إجابتهم إلا شغفا- أى حبّا شديدا- فى مطلوبهم الذى سألوه، يدخل ذلك الحب فى شغاف القلب أى جلدته التى هو فى داخلها، و الغرام: الولوع. (قوله: و ظمأ) هو العطش، استعير للرغبة استعارة مصرحة، و الهواجر جمع هاجرة، و هى نصف النهار عند اشتداد الحر، و إضافتها للطلب من إضافة المشبه به للمشبه، أى: و رغبة فى الطلب الشبيه بالهواجر، بجامع الصعوبة على النفس فى كل، و المراد بالطلب: طلب اختصار المطول، أو أنه شبه الطلب باليوم الطويل الذى فيه هواجر بجامع الاشتمال فى كل ما يطلب دفعه على طريق المكنية، و الهواجر تخييل، و الأوام- بضم الهمزة- حرارة العطش، فعطفه على الظمأ من عطف اللازم على الملزوم، و المراد بالأوام هنا لازمه، و هو الميل و الحب. (قوله: فانتصبت ... إلخ) أى فلما زادت رغبتهم و لم تمكن مدافعتهم تسبب عن ذلك أنى انتصبت، أى: تصدّيت و تعرضت و تفرغت. (قوله: على وفق مقترحهم) الجار و المجرور صفة لمحذوف أى انتصابا أو شرحا كائنا على وفق- أى موافقة- مقترحهم أى مطلوبهم، من كون ذلك الشرح مقتصرا فيه على بيان معانى المتن و كشف أستاره، و فى التعبير بمقترحهم دون مطلوبهم أو مسئولهم إشارة إلى أنهم سألوا ذلك من غير روية و فكر؛ لأن الاقتراح طلب الشيء من غير روية و فكر. (و قوله: ثانيا) صفة للمصدر المقدر بعد نعته بالجار و المجرور أى: انتصابا ثانيا أو شرحا ثانيا، و يحتمل أن يكون ظرفا أى انتصبت لشرح ذلك الكتاب فى زمن ثان.
[١] المدثر: ٣.