حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٤٦
و أما الأخذ و الانتهاب فأمر يرتاح له اللبيب، فللأرض من كأس الكرام نصيب، ...
العلماء الشبيهين بالمطايا الحاملين لأسرار هذا الفن، و المقصد من هذا التركيب الإخبار بأن أسرار هذا الفن و علماءه قد ذهبوا، بل ذهبت مواضعهم كذلك.
(قوله: و أما الأخذ ... إلخ) أما تفصيلية مقابلها محذوف دلّ عليه مضمون الكلام السابق، أعنى قوله: (علما ... إلخ)، و الواو عاطفة على ذلك المحذوف، و الأصل:
أما ما ذكرتم من تقاصر الهمم فذلك مما يرغب فى الاختصار و يحمل عليه، لو لا أنى أعلم أن مستحسن ... إلخ، و أما الأخذ و الانتهاب فليس مما يحمل على الاختصار؛ لأنه أمر يرتاح ... إلخ، و الحاصل: أنهم عللوا طلب الاختصار منه بأمرين: تقاصر همم المحصلين، و الأخذ و الانتهاب، فأجابهم بأن ما ذكرتموه من مجموع الأمرين لا يقتضى الاختصار؛ فوقع فى ذهن السامع السؤال من ذلك النفى، فأجاب بقوله: أما التقاصر ... إلخ، و كثيرا ما يحذف المجمل المفصل ب" أما" و معادلها، و يصح جعل" أما" لمجرد التأكيد و الواو للاستئناف حينئذ، و سكت عن المسخ الصادر منهم؛ لأنه غير واقع فى شرحه بل فى عبارتهم؛ فلذا لم يحتج للاعتذار عنه.
(قوله: يرتاح) أى: يفرح و ينبسط له اللبيب أى كامل العقل الذى وقع الأخذ من كلامه لا الآخذ؛ و ذلك لأن العاقل لا يرضى بالأخذ من كلام الغير و يرضى بكون الغير يأخذ من كلامه؛ لما فيه من الرفعة و الثواب، و إذا كان أمرا يرتاح له اللبيب فلا يطلب قطعه بالاختصار؛ لأنى لو وضعت مختصرا لالتفت الناس إليه و أعرضوا عن تأليف المنتحلين، و إذا فات المنتحلين مرجوّهم من إقبال الناس على تأليفهم تركوا الانتحال.
(قوله: فللأرض ... إلخ) هذا شطر بيت مأخوذ من قول بعضهم
شربنا شرابا طيّبا عند طيّب
كذاك شراب الطّيّبين يطيب
شربنا و أهرقنا على الأرض جرعة
و للأرض من كأس الكرام نصيب