حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٣٣٨
أَمْ بِهِ جِنَّةٌ [١]) لأن الكفار حصروا إخبار النبى صلّى اللّه عليه و سلّم بالحشر و النشر على ما يدل عليه قوله تعالى: إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ
(قوله: أم به جنة) أم متصلة بدليل سبق همزة الاستفهام عليها، و لا يقال إن شرط المتصلة أن تقع بين جملتين متساويتين فى الفعلية أو الاسمية و هنا ليس كذلك؛ لأنا نقول أم به جنة فى تأويل أم لم يفتر، أو أم أخبر حال كونه به جنة، و يجوز أن يكون جنة مرفوعا بفعل محذوف، أى: حصل، فما بعد أم جملة فعلية بالفعل على هذا، أو مؤول بها على الأول على أنه صرح ابن مالك [٢] و من تبعه بجواز وقوع المتصلة بين غير المتساويتين فى الاسمية أو الفعلية (قوله: لأن الكفار إلخ) علة لكون ما ذكر دليلا على المدعى و هو عدم انحصار الخبر فى الصادق و الكاذب و ثبوت الواسطة بينهما، و المراد هنا بالكفار كفار قريش، و قوله بالحشر متعلق بإخبار، فالمحصور فى الافتراء و الإخبار حالة الجنة إنما هو إخباره بالحشر و النشر؛ لأنهم لما استبعدوا النشر الذى هو الإحياء بعد الموت و الحشر الذى هو سوق الخلق للحساب ثم لمفرهم حصروا إخبار النبى بهما فى الافتراء و الإخبار حال الجنون لا جميع إخباره و لا إخباره بغير ذلك كالرسالة، كما يدل لذلك الآية فقوله على ما يدل: متعلق بإخباره بالحشر و النشر، فإن قلت إثبات الواسطة بالدليل المذكور على تقدير عدم الحصر أظهر لكثرة أفراد الإخبار، و احتمال أن ما عدا هذين الفردين من الواسطة، فكثرة الأفراد أنفع للمستدل القائل بالواسطة، فالأولى للشارح أن يقول: زعموا أن إخباره بالحشر إلخ، بدل قوله: و أجيب بأن تعبير الشارح بحصر و الموافقة الآية المستدل بها لا لتوقف الاستدلال على الحصر، و وجه الحصر
[١] سورة: سبأ، الآية: ٨.
[٢] هو أبو عبد اللّه جمال الدين محمد بن عبد اللّه بن مالك السكاكى الجيّانى الأندلسي، ولد فى جيان من أعمال الأندلس سنة ٦٠٠ ه- و هو أحد الأئمة فى علوم العربية من مصنفاته" الألفية" المشهورة فى النحو، و" تسهيل الفوائد"، و" لامية الأفعال" و" الكافية الشافية"، و" سبك المنظوم و فك المختوم" و غيرها الكثير توفى رحمه اللّه سنة ٦٧٢ ه (و انظر الأعلام ٦/ ١٣٣).