حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٣٣١
فكأنه قيل: إنهم يزعمون أنهم كاذبون فى هذا الخبر الصادق، و حينئذ لا يكون الكذب إلا بمعنى عدم المطابقة للواقع؛ فليتأمل لئلا يتوهم أن هذا اعتراف بكون الصدق و الكذب راجعين إلى الاعتقاد.
(الجاحظ) ...
الواو للحال أى: و الحال أن ذلك الخبر صادق لمطابقته للواقع فى نفس الأمر فى ذاته؛ لأن الواقع فى نفس الأمر فى ذاته أنه رسول (قوله: فكأنه قيل إلخ) أى: فكأن اللّه قال:
إنهم يزعمون أى يعتقدون أنهم كاذبون فى هذا الخبر لكونه لم يطابق فى اعتقادهم، مع أنه خبر صادق لكونه مطابقا للواقع فى نفس الأمر (قوله: و حينئذ) أى: و حين إذ كان المشهود به كاذبا لعدم مطابقته للواقع فى زعمهم (قوله: لا يكون الكذب) أى:
المذكور فى هذه الآية (قوله: إلا بمعنى عدم المطابقة للواقع) أى: بحسب زعمهم و اعتقادهم (قوله: لئلا يتوهم أن هذا) أى: قول المصنف فى زعمهم اعتراف إلخ، و هذا علة للتأمل أى: تأمل كلام المصنف و اعرف حقيقة هذا الرد الثالث خوفا من أن تتوهم أن هذا الثالث تأييد لصاحب ذلك القول المردود عليه، فتعترض على المصنف بأن القصد الرد عليه لا لتأييده، و منشأ ذلك التوهم قول المصنف أو المعنى: لكاذبون فى المشهود به فى زعمهم، فإنه يوهم أن الكذب لعدم المطابقة لزعمهم و اعتقادهم، و حاصل الجواب أن المراد أن الكذب لعدم المطابقة للواقع، لكن بحسب زعمهم و اعتقادهم فذلك الخبر غير مطابق لاعتقادهم و غير مطابق للواقع بحسب اعتقادهم، فكذبه إنما هو لمخالفته للواقع فى اعتقادهم لا لمخالفته لاعتقادهم كما يقوله النظام.
و فرق بين مخالفة الاعتقاد و مخالفة الواقع بحسب الاعتقاد، و حينئذ فكلام المصنف رد عليه لا تأييد له (قوله: راجعين إلى الاعتقاد) أى: فيكون كلام المصنف هذا مؤيدا لكلام النظام مع أنه بصدد الرد عليه (قوله: الجاحظ) هذا لقبه و اسمه عمرو بن بحر الأصفهانى و كنيته أبو عثمان، و إنما لقب بالجاحظ؛ لأن عينيه كانتا جاحظتين أى: بارزتين، و هو أحد شيوخ المعتزلة و تلميذ النظام، و له التصانيف فى كل فن، و كان قبيح الشكل جدا، فلذا لما أحضره المتوكل ليعلم أولاده استبشع منظره فأمر له بعشرة آلاف درهم و صرفه، و قال بعضهم فيه: