حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٢٣٥
فإن مقام الأول يباين مقام الثاني؛ فإن الذكى يناسبه من الاعتبارات اللطيفة ...
كلام المصنف، و قد أشار الشارح إلى ذلك الاحتمال بقوله: فإن مقام الأول إلخ و على كلا الاحتمالين فإضافة خطاب للذكى و الغبى من إضافة المصدر لمفعوله، و المراد بالخطاب ما خوطب به سواء أريد به الخصوصيات، أو الكلام المشتمل عليها، و المقام الداعى لذلك هو الذكاء و الغباوة، و إنما فصل هذا عما قبله بكذا، و لم يقل: و مقام خطاب الذكى يباين مقام خطاب الغبى، مع أن هذا كالذى قبله: لا يختص بأجزاء الجملة و لا بالجملتين فصاعدا اختصارا؛ لأن كذا و لفظ مع أخصر من مقام مرتين، و لفظ يباين.
و علم من هذا أن مقام خطاب الذكى، و مقام خطاب الغبى مثل ما قبلهما فى أنهما من متعلقات علم المعاني؛ لأن المقامات إنما يبحث عن مقتضياتها فيه.
و قول بعضهم: إنما فصل بكذا؛ لأن الأول من متعلقات علم المعاني، و الثانى من متعلقات علم البيان؛ لأن الغبى إنما يخاطب بالحقائق، و الذكى بالمجازات، ففيه نظر؛ لأن الذى هو من متعلقات علم البيان كيفية دلالة اللفظ على المعنى المراد من كونه مجازا أو كناية، بقطع النظر عن اقتضاء الحال و المقام لذلك، و الكلام هنا فيهما من حيث اقتضاء الحال لهما، و مما يدل على بطلان ذلك القيل، قول المصنف: بعد و لكل كلمة إلخ، فإن هذا من تعلقات علم المعاني، و الأصل جريان الكلام على و تيرة واحدة، ثم إنه كان الأولى للمصنف أن يذكر مع الغبى الفطن، بأن يقول: و كذا خطاب الفطن مع خطاب الغبى؛ و ذلك لأن القوة المعدة لاكتساب الآراء المسماة بالذهن، إما سريعة أو لا فسرعتها ذكاء و صاحبها ذكى، و عدم سرعتها بلادة و صاحبها بليد، ثم إن السريعة تارة يكون لها جودة و حسن فى تهيئها لحصول ما يرد عليها من الغير، و تارة لا يكون لها ذلك، فإن كان الأول فهى فطانة و صاحبها فطن أيضا، و إن كان الثانى فغباوة و صاحبها غبى.
فعلم أن الغباوة تجامع الذكاء، و حينئذ فلا يحسن المقابلة، و أجيب عن المصنف بأنه أطلق العام و هو الذكى و أراد الخاص و هو الفطن بقرينة المقابلة بالغبى، و اعلم أن هذا