حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ١٩٨
و هو عباس بن الأحنف، و لم يقل: كقوله؛ لئلا يتوهم عود الضمير إلى الفرزدق (سأطلب بعد الدار عنكم لتقربوا و تسكب ...) بالرفع؛ ...
يأتى بيانه، و يظهر لك أن الأقسام أربعة: يحصل الخلل فى صورتين أعنى: ما إذا كانت القرينة خفية، سواء تعددت الوسائط كما يأتى فى قوله [١]:
و تسكب عيناى الدموع لتجمدا أو لم تتعدد، و لا خلل فى صورتين: و هما ما إذا كانت القرينة غير خفية تعددت الوسائل كما فى قولك: فلان كثير الرماد، أو لم تتعدد كما فى قولك: فلان كثير النجاد (قوله: عباس بن الأحنف) [٢] هو من بنى حنيفة، كان رقيق الحاشية، لطيف الطباع من ندماء هارون الرشيد (قوله: سأطلب إلخ) عبر بالسين الموضوعة للاستقبال للإشارة إلى أن بعد الديار و إن كان لغرض صحيح، و هو قرب الأحباب حقيق بأن يسوف به و لا يطلبه فى الحال لكون البعد فى ذاته أردى من الردى، و الحاصل أن البعد و إن كان وسيلة للقرب الذى هو المقصد الأقصى للعشاق إلا أنه من حيث إنه بعد فى نفسه حقيق بأن يسوف عليه، و لكون البعد رديئا أضافة الشاعر لداره لا لذاته؛ لأن العاشق لا يطلب بعد ذاته، و أضاف القرب لذات المحبوبين، فإن قلت: هذا الكلام يقتضى أن السين أصلية و قول الشارح و معنى البيت أنى اليوم أطيب إلخ يقتضى زيادتها لمجرد التوكيد. قلت: إن ما قلناه بالنظر لأصل وضعها و ما ذكره الشارح بالنظر للمعنى المراد من البيت، و الحاصل أن ايثاره التعبير بالعبارة الدالة على التسويف فى الجملة يشير لذلك المعنى و إن كانت للتأكيد أفاده القرمى (قوله: عنكم) متعلق ببعد لا بالدار، و إلا لقال لكم، و المعنى بعد دارى عنكم، و فيه إشارة إلى أنه لا يرضى بنسبة طلب البعد إلى دار المحبوب فضلا عن نفسه (قوله: بالرفع)
[١] البيت للفرزدق فى ديوانه ١٠٦ طبعة دار الكتب، و دلائل الإعجاز ٢٦٨، و الإشارات و التنبيهات ص ١٢.
[٢] هو العباس بن الأحنف بن الأسود الحنفى اليمامي، أبو الفضل: شاعر غزل رقيق، قال فيه البحترى:
هو أغزل الناس، أصله من اليمامة، و كان أهله فى البصرة و بها مات أبوه، و نشأ هو ببغداد و توفى بها سنة ١٩٢ ه، و قيل: بالبصرة، خالف الشعراء فى طريقتهم فلم يمدح و لم يهج، بل كان شعره كله غزلا و تشبيبا، و هو خال إبراهيم بن العباس الصولي. انظر: الأعلام (٣/ ٢٥٩).