حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ١٩٥
و ذلك بسبب إيراد اللوازم ...
الانتقال الذى هو بطؤه سبب لعدم ظهور الدلالة بالمعنى المذكور، و بيان ذلك أن سرعة انتقال الذهن من المعنى الأصلى إلى المعنى المراد سبب فى سرعة انفهام المراد من اللفظ مساو له، إذ لا سبب لها سواها، و لا شك أنه يلزم من انتفاء السبب المساوى انتفاء المسبب، فبالضرورة تنتفى سرعة انفهام المراد بانتفاء سرعة الانتقال، فيكون بطء الانفهام الذى هو عدم ظهور الدلالة ببطء الانتقال الذى هو الخلل، و لا شك أن ذلك الخلل بسبب إيراد المتكلم اللازم البعيد مع خفاء القرينة الدالة على المراد، فصح تعليل عدم ظهور الدلالة بالخلل و تعليل الخلل بإيراد اللوازم البعيدة، إذا علمت هذا فقول الشارح:" لخلل واقع فى انتقال الذهن" أى: لأجل بطء نفس السامع فى انتقالها من المعنى الأول أى: المعنى الأصلى الحقيقى، و قوله:" إلى المعنى الثانى" أى: الذى له نوع ملابسة بالمعنى الأول و هو المعنى الكنائي، أو المجازى، فالمعنى الأول كالإخبار بكثرة الرماد فى قولك- فى مقام المدح: زيد كثير الرماد، و المعنى الثانى الإخبار بكرمه، و حاصل ما فى المقام أن شرط فصاحة الكلام الكنائى أو المجازى: أن يكون المعنى الثانى و هو الكنائى أو المجازى قريبا فهمه من الأصلى، فإن لم يكن كذلك بأن كان المعنى الملابس بعيدا فهمه من الأصلى عرفا، بحيث يفتقر فى فهمه إلى وسائط مع خفاء القرينة، لم يكن الكلام الكنائى أو المجازى فصيحا لحصول التعقيد.
و اعلم أن المدار فى صعوبة الفهم على خفاء القرائن، كثرت الوسائط أو لا، لا على كثرة الوسائط فقط؛ فإنها قد تكثر و لم يكن هناك صعوبة فى فهم المعنى الثانى من الأول، كما فى قولهم: فلان كثير الرماد كناية عن كرمه؛ فإن الوسائط فيه كثيرة مع أنه لا تعقيد فيه، و خفاء القرائن و عدم خفائها بواسطة جريان الكلام على أسلوب البلغاء و استعمالهم و عدم جريانه على أسلوبهم و استعمالهم.
(قوله: و ذلك) أى: الخلل و البطء. (قوله: بسبب إيراد اللوازم) أى: المعانى اللوازم أى: إيرادها بلفظ الملزومات، و إنما قلنا ذلك؛ لأن مذهب المصنف فى الكناية و المجاز أن الانتقال فيهما من الملزوم إلى اللازم، و الفرق باشتراط القرينة الصارفة عن