حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ١٨٦
ذكر الصاحب إسماعيل بن عباد أنه أنشد هذه القصيدة بحضرة الأستاذ ابن العميد فلما بلغ هذا البيت قال له الأستاذ: هل تعرف فيه شيئا من الهجنة، قال: نعم، مقابلة المدح باللوم؛ و إنما يقابل بالذم أو الهجاء، فقال الأستاذ: غير هذا أريد، فقال: لا أدرى غير ذلك، فقال الأستاذ: هذا التكرير فى" أمدحه أمدحه" مع الجمع بين الحاء و الهاء؛ و هما من حروف الحلق، خارج عن حد الاعتدال نافر كل التنافر؛ فأثنى عليه الصاحب.
(قوله: ذكر الصاحب) [١] ساق الشارح هذه الحكاية تأييدا لكون هذا التكرير ثقيلا مخرجا عن الفصاحة، و الصاحب إسماعيل صحب ابن العميد فى مدة وزارته، و تولى بعده الوزارة لفخر الدولة ابن بويه، و لقب بالصاحب؛ لأن الصاحب غلب على كل من صاحب السلطان. (قوله: بحضرة الأستاذ ابن العميد) هو الشيخ إسماعيل بن عباد الذى هو شيخ الشيخ عبد القاهر الجرجانى مدون هذا الفن. (قوله: من الهجنة) بضم الهاء و سكون الجيم أى: العيب. (قوله: غير هذا أريد) أى: لأن هذه الهجنة يمكن الجواب عن الشاعر بالنسبة إليها بأن يقال: أشار الشاعر بتلك المقابلة إلى أن ذمه الذى هو المقابل الحقيقى لا ينبغى أن يخطر بالبال؛ لعلو مقامه و لو على سبيل التعليق، فلو دعا داع؛ فإنما يفرض لومه دون ذمه، و يؤيد ذلك أن أورد فى جانب اللوم" إذا" التى للإهمال و المهملة فى قوة الجزئية، فتصدق بحصول اللوم مرة واحدة.
و أورد فى جانب المدح" متى" التى هو سور الكلية الدالة على صدور المدح منه فى جميع الأزمان، و كان الأولى للشاعر أن يأتى بإن و المضارع الدالين على عدم تحقق الحصول؛ لأن" إن" للشك دون" إذا" و الماضى الدالين على تحقق الوقوع، و فيه شائبة تقصير فى مقام المدح. و ما قيل فى الجواب: إنه إنما عبر بإذا و الفعل الماضى لنكتة تشعر بالأدب فى حق الممدوح، و هو كون وجود اللوم مع عدم المساعد محققا؛ لأن" إذا" تستعمل فى التحقيق دون" إن"؛ فإنها تستعمل فى الشك ففيه نظر؛ لأنه لا يتم إلا لو كان قوله:" وحدى" قيدا فى الشرط؛ لأن" إذا" إنما تدل على تحقق مدخولها مع أنه قيد فى الجواب. (قوله:
هذا التكرير) مبتدأ، (و قوله: خارج إلخ) خبر، و المراد بكونه نافرا كل التنافر أنه
[١] هو إسماعيل بن عباد المعروف بالصاحب؛ لصحبته ابن العميد.