حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ١٠٠
(من أجل العلوم قدرا و أدقها سرّا إذ به) أى: بعلم البلاغة و توابعها لا بغيره من العلوم كاللغة و الصرف و النحو (تعرف دقائق العربية و أسرارها) ...
موضوع علم البلاغة بالحيثية المعتبرة فى موضوعات العلوم و له غاية أيضا؛ فجعله علما مستقلا من العلوم الأدبية أوجه، و لما كان تابعا للمعانى و البيان غلبا عليه فى الحكم بالأجلية و الأدقية، و أجرى التعليلين بناء على ذلك.
(قوله: من أجل العلوم) أتى ب" من" للإشارة إلى أنه ليس أجل العلوم على الإطلاق بل من الطائفة التى هى من أجل العلوم، و هذا لا ينافى أن من تلك الطائفة ما هو أجل منه كعلم التوحيد و علم الشرائع. (قوله: قدرا) أى: منزلة و مرتبة، و هو تمييز محول عن الفاعل و هو اسم كان أى: لما كان قدر علم البلاغة و سره من أجل أقدار العلوم و من أدق أسرارها، و قال عبد الحكيم: إنه تمييز من نسبة الأجل إلى العلوم محول عن الفاعل أى: فلما كان علم البلاغة من طائفة علوم أجل قدرها من العلوم، و كذا قوله:" سرّا" أى: من علوم أدق سرها من المعلوم، و لا يلزم عمل اسم التفضيل فى الظاهر، فإنّ التقدير مجرد اعتبار لا استعمال. (قوله: سرّا) أى نكات فأسراره و نكاته من جملة الدقيق من أسرارها، و فى الأجل و الأدق صنعة الطباق، و فى" قدرا" و" سرّا" من عيوب القافية المطلقة الاختلاف بالتخفيف و التشديد. (قوله: إذ به تعرف ... إلخ) هذا الدليل على غير ترتيب اللف، و إنما لم يسلك ترتيب اللف لكون الكشف عن وجوه الإعجاز متوقفا على معرفة دقائق العربية المذكور فى هذا الدليل.
(قوله: لا بغيره) إشارة إلى الحصر المستفاد من تقديم المعمول، و قوله:" من العلوم" إشارة إلى أن الحصر إضافي، و إلا فقد تعرف دقائق اللغة العربية بغير علم كإلهام أو سليقة كالعرب. (قوله: دقائق العربية) أى دقائق اللغة العربية و نكاتها. (قوله:
و أسرارها) عطف تفسير إن كان الضمير فيه راجعا إلى العربية أى دقائق العربية و أسرار العربية، و المراد بهما المعانى المدلول عليها بخواص التراكيب من التقديم و التأخير و التأكيد و عدمه، و هى مقتضيات الأحوال، و عطف مغاير إن كان الضمير راجعا للدقائق أى دقائق العربية و أسرار تلك الدقائق، و على هذا فيراد بالدقائق الأحوال و بالأسرار النكات التى تقتضيها تلك الأحوال، و الأول: كالشك و خلو الذهن، و الثاني: كالتأكيد و عدمه.