شرح فروع الكافي - المازندراني، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٣٧ - باب أصناف الحجّ
كثير كلّهم يلتمس أن يأتمّ برسول اللَّه صلى الله عليه و آله و يعمل مثل عمله، فخرجنا معه حتّى إذا أتينا ذا الحليفة، فولدت أسماء بنت أبي عميس محمّد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول اللَّه صلى الله عليه و آله كيف أصنع؟ قال: اغتسلي و استثفري[١] بثوب و احرمي، فصلّى رسول اللَّه صلى الله عليه و آله في المسجد، فركب القصواء حتّى إذا استوت به ناقته إلى البيداء نظرت إلى مدّ بصري بين يديه من راكب و ماش، و عن يمينه مثل ذلك، و من خلفه مثل ذلك، و رسول اللَّه صلى الله عليه و آله بين أظهرنا، و عليه ينزل القرآن، و هو يعرف تأويله، فما عمل به من شيء عملنا به، فأهلّ بالتوحيد: لبّيك اللّهمَّ لبّيك، لبّيك لا شريك لك لبّيك، إنّ الحمد و النِّعمة لك و الملك لا شريك لك، و أهلَّ الناس بهذا الذي يهلّ به، فلم يزد رسول اللَّه صلى الله عليه و آله شيئاً منهم، و لزم رسول اللَّه صلى الله عليه و آله تلبيته.
قال جابر: لسنا ننوي إلّا الحجّ، لسنا نعرف العمرة حتّى إذا أتينا البيت معه استلم الركن، فرمل ثلاثاً و مشى أربعاً، ثمّ نفذ إلى مقام إبراهيم عليه السلام فقرأ «وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى»[٢]، فجعل المقام بينه و بين البيت، فكان أبي يقول: و لا أعلمه ذكره إلّا عن النبيّ صلى الله عليه و آله. كان يقرأ في الركعتين: قل هو اللَّه أحد، و قل يا أيُّها الكافرون، ثمّ رجع إلى الركن فاستلمه، ثمّ خرج من الباب إلى الصفا، فلمّا دنا من الصفا قرأ: «إِنَّ الصَّفا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ»[٣] ابدأ بما بدأ اللَّه به، فبدأ بالصفا فرقى عليه حتّى رأى البيت فاستقبل القبلة، فوحّد اللَّه و كبّره، و قال: لا إله إلّا اللَّه، وحده لا شريك له، له الملك و له الحمد، و هو على كلّ شيءٍ قدير، لا إله إلّا اللَّه وحده، أنجز وعده، و نصر عبده، و هزم الأحزاب وحده.
ثمّ دعا بين ذلك، فقال مثل هذا ثلاث مرّات، ثمّ نزل إلى المروة حتّى إذا نصبت قدماه في بطن الوادي رمل، حتّى إذا صعدتا مشى حتّى أتى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصفا، حتّى إذا كان آخر طوافه على المروة قال: «لو أنّي استقبلت من
[١]. الاستثفار: هو أن تشدّ فرجها بخرقة عريضة بعد أن تحتشي قطناً، و تُوثق طرفيها في شيء تشدّ على وسطها، فتمنع بذلك سيل الدم. النهاية لابن الأثير، ج ١، ص ٢١٤( ثفر).