رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٩٥
الدين لظهوره في أيامه واعلانهم باعتقاداتهم في خلافته، ذلك لما انتشر من كتب «ماني» و«ابن ديصان» و «مرجئون» مما نقله «عبد اللّه بن المقفع» وغيره وترجمت من الفارسية والفهلوية إلى العربية، وما صنفه في ذلك ابن أبي العوجاء وحماد بن عجرد ويحيى بن زياد و مطيع بن أياس من تأييد المذاهب المانية والديصانية والمرقيونية، فكثر بذلك الزنادقة وظهرت آراؤهم في الناس، وكان المهدي أوّل من أمر الجدليين من أهل البحث من المتكلّمين بتصنيف الكتب على الملحدين ممّن ذكرنا من الجاحدين وغيرهم، وأقاموا البراهين على المعاندين وأزالوا شبه الملحدين، فأوضحوا الحقّ للشاكّين....[١]
وفي ظل انتشار الكتب المترجمة بين أهل العلم من المسلمين، استفحلت المناظرة في عصر المأمون، وكان أهل الفرق والمذاهب والنحل وأصحاب المقالات يتناظرون فيما بينهم على مرأى ومسمع من الخليفة، وهذا هو المسعودي ينقل عن يحيى بن أكثم أنّه قال: كان المأمون يجلس للمناظرة في الفقه يوم الثلاثاء، فإذا حضر الفقهاء ومن يناظره من سائر أهل المقالات أُدخلوا حجرة مفروشة، وقيل لهم: أنزعوا أخفافكم، ثم أحضرت الموائد، وقيل لهم: أصيبوا من الطعام والشراب وجدّدوا الوضوء، ومن خفّه ضيق فلينزعه، ومن ثقلت عليه قلنسوتُه فليضعها، فإذا فرغوا أتوا بالمجامر فبُخروا وطُيّبوا، ثمّ خرجوا فاستدناهم حتّى يدنوا منه ويناظرهم أحسن مناظرة، وأنصفها وأبعدها من مناظرة المتجبرين، فلا يزالون كذلك إلى أن تزول الشمس، ثمّ تنصب الموائد ثانية فيطعمون وينصرفون.[٢]
ويذكر في حياة الواثق باللّه أنّه كان له مجلس في الفلسفة والطب وكان الواثق باللّه محبّاً للنظر، مكرماً لأهله، مبغضاً للتقليد وأهله محبّاً للإشراف على علوم
[١] مروج الذهب:٤/٢٢٣ـ٢٢٤.
[٢] مروج الذهب:٣/٤٣٢.