رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٦٠
هل القول بالقدر بدعة؟
كلّما أطلق القدر ـ عند أهل الحديث ومؤرّخي العقائد ـ يراد به نفي القدر، وكلّما قيل: القدرية، يراد به نفاة القدر[١]وبالتالي القائلون بكون الإنسان حراً مختاراً في فعله مسؤولاً عن عمله، والاختيار بهذا المعنى هو أساس الشرائع السماوية. فلولا أنّ الإنسان حرّ في عمله لبطلت التكاليف وأُلغيت جهود علماء التربية.
ومع ذلك فقد بلغ الجمود في فهم الإسلام إلى حدّ عُدّ فيه القدرية بهذا المعنى من الفرق المبتدعة، والقول بالقدر بالمعنى السابق بدعة، وهذا هو عمر بن عبد العزيز يرى أنّ الجبر نفس الإسلام وأنّ القول بالقدر ينافي إحاطة علمه سبحانه بأفعال العباد، وله رسالة في ذلك الصدد ذكرها أبو داود.
قال: كتب رجل إلى عمر بن عبد العزيز يسأله عن القدر؟ فكتب: أمّا بعد; أوصيك بتقوى اللّه، والاقتصاد في أمر اتّباع سنّة نبيه، وترك ما أحدث المحدثون بعد ما جرت فيه سنته، وكُفُوا مؤونته. فعليك بلزوم السنّة فإنّها لك بإذن اللّه عصمة...إلى أن قال:
ما أعلم ما أحدث الناس من محدثة ولا ما ابتدعوا من بدعة هي أبيَنُ أثراً ولا أثبت أمراً من الإقرار بالقدر، لقد كان ذكره في الجاهلية الجهلاء يتكلّمون به في كلامهم وفي شعرهم، يُعَزُّون به أنفسهم على ما فاتهم، ثمّ لم يزده الإسلام بعدُ إلاّ شدّة، ولقد ذكره رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) في غير حديث ولا حديثين، وقد سمعه منه
[١] انّ استعمال القدرية بمعنى نفاة القدر، استعمال لا توافقه اللغة ولا قواعدها، إذ اللازم هو أن يراد به القائلون بالقضاء والقدر، لا نفاتهما، وما اللفظة هذه إلاّ كالعدلية، فهي تستعمل في القائلين بالعدل لا نفاته.