رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥٥٣
الثقلين، ليسوا بأقلّ من مصاحب موسى(عليه السلام)، أو جليس سليمان، فأي وازع من أن يقفوا على سنن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) عن طريق الإشراقات الإلهية؟!
الرابع: الاستنباط من الكتاب والسنّة
هذا هو الطريق الرابع، فقد كانوا يستدلّون على الأحكام الإلهية بالكتاب والسنّة بوعي متميز يبهر العقول ويورث الحيرة، ولولا خشية الإطالة في المقام لنقلنا نماذج كثيرة من ذلك، ونكتفي هنا بانموذج واحد وهو: قُدِّم إلى المتوكل رجل نصراني فجر بامرأة مسلمة فأراد أن يقيم عليه الحد، فأسلم، فقال يحيى ابن أكثم: الإيمان يمحو ما قبله، وقال بعضهم: يُضرب ثلاثة حدود، فكتب المتوكّل إلى الإمام علي الهادي(عليه السلام)[١] يسأله ، فلمّا قرأ الكتاب، كتب: يُضرب حتى يموت، فأنكر الفقهاء ذلك، فكتب إليه يسأله عن العلة، فكتب:(بِسْمِ اللّهِ الرَّحمن الرَّحيم * فَلَمّا رَأَوْا بَأْسَنا قَالُوا آمَنّا بِاللّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِمَا كُنّا بِهِ مُشْرِكينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّةَ اللّهِ الّتي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافرُونَ)[٢].
فأمر به المتوكل فضرب حتّى مات.[٣]
إنّ الإمام الهادي ببيانه هذا شقّ طريقاً خاصّاً لاستنباط الأحكام من الذكر الحكيم، طريقاً لم يكن يحلم به فقهاء عصره، وكانوا يزعمون أنّ مصادر الأحكام الشرعية هي الآيات الواضحة في مجال الفقه الّتي لا تتجاوز ثلاثمائة
[١] الإمام العاشر وهو علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر الصادق(عليهم السلام).
[٢] غافر:٨٤ـ ٨٥.
[٣] مناقب آل أبي طالب:٤/٤٠٥.